العقل المدبر لتنظيم السير في الأردن!

تاريخ النشر : الاثنين 09:26 24-11-2025
د. أيوب أبودية

إذا أردنا أن نروي قصة بطلٍ غير تقليدي في الأردن، فلن نتحدث عن عالم ذرة، ولا رائد فضاء، بل عن عقلٍ ذكيّ قرر أن يتحدى واحدة من أكثر المشكلات تعقيدًا في البلاد: أزمة السير. أزمةٌ يُهدر فيها الوقت، وتتآكل الأعصاب، ويضيع فيها الوقود، وتتعثر بسببها جودة الحياة والإنتاجية والسعادة، وتزداد فيها الانبعاثات التي تخنق هواء المدن.

لكنَّ هذا العقل الذكي المدبر ربما لم يكن شخصًا واحدًا، بل كان مجموعة أفكارٍ متراكمة، تتكوّن من رؤية واضحة، ودراسات دقيقة، وتخطيط طويل الأمد، وإرادة لا تُساوِم؛ معًا شكّلوا "العقل الذكي" الذي يعيد اليوم تنظيم السير في الأردن على نحو فريد مميز. ورغم ذلك لا أستبعد أن هذا التوجه المتسارع هو من طموح شخص واحد ووضوح رؤيته لمستقبل أفضل، فله التحية والإكبار.

كان التحدي الأول أن يعترف صانعو القرار بداية أن الطرق لم تعد تتحمّل مزيدًا من الترقيع وأنصاف الحلول، بل أدركوا أن الحلول لن تكون سريعة أو جزئية، بل تحتاج إلى إصلاح جذري. فالمدن التي اتسعت بلا تخطيط كافٍ بفعل سوء التخطيط الحضري، والنمو السكاني المتسارع، والاعتماد شبه الكلي على السيارات الخاصة، وفوضى القيادة والاستهتار على الطرقات، كلّها حولت التنقّل إلى محنةٍ يومية ومعاناة مستدامة.

أدرك هذا العقل الذكي أن الوقت الذي يخسره الأردنيون يوميًا في الازدحامات لو جُمِعَ لأصبح سنواتٍ من الإنتاج الضائع لمجمل الدخل القومي. وأن تلوّث الهواء الناتج عنها يُهدد الصحة العامة، ويرفع كلفة العلاج، ويثقل كاهل الاقتصاد، وأن 97% من الحوادث سببها السائقون، وأن هناك إصابة بشرية كل 30 دقيقة نتيجة حادث مروري، فيما يقع حادث دهس كل ساعتين، ويتم تسجيل وفاة كل 16 ساعة، وأن نحو 75% من حوادث الأردن ناجمة عن عدم أخذ الاحتياطات اللازمة أثناء القيادة، ومخالفات المسارب والأولويات.

ومنذ عام 2021 ، أي ما بعد الكورونا، بدأت أعداد الإصابات السنوية تنخفض حتى عام 2023، رغم تزايد عدد السكان، ثم ارتفعت عام 2024، الأمر الذي ربما يفسر الإجراءات المتشددة في تطبيق قوانين السير والأفكار الذكية، مثل تطبيق صارم لقوانين السير بالذكاء الإصطناعي، وحافلات كهربائية سريعة (BRT) حقيقية تُدار بانضباط صارم، لا تتشارك بمسارها مع المركبات الأخرى، مزوّدة بمحطات مريحة وآمنة.

إضافة، هناك انطلاق خطة توسيع كميرات المراقبة وربطها بمراكز القيادة والسيطرة، وتعبيد شبكة ممرات للمشاة والدراجات ومناطق مخصصة للمشاة، كوسط العاصمة والشوارع العريضة والحديثة، لأن المدينة التي لا تمشي لا تتنفس، مع مراعاة خطة طويلة الأمد لا تتغيّر بتغيّر الوزراء، وبالتالي ثبات إداري يحوّل الحلم إلى واقع.

ومن الواضح أن التكنولوجيا كانت كلمة السر، فقد ثبت عالميا أن التقنية ليست رفاهية وحسب. فقد تطور العالم إلى تطبيق إشارات مرورية ذكية تتواصل مع بعضها البعض، وتقرأ حجم الحركة لحظة بلحظة، وأنظمة تتبّع للحافلات تجعل الركاب يعرفون الوقت الدقيق لوصول كل حافلة، وتسعيرة مرنة لركوب النقل العام تشجع الناس على ترك السيارات خلال ساعات الذروة. وكانت الفكرة الجوهرية أن تنظيم السير ليس مجرد فزعة آنية، بل بيانات واستدامة وتنبؤ علمي. وبذلك يتحوّل النظام إلى كائنٍ حيّ يتكيّف وينظّم نفسه باستمرار.

لم يكن الحل قمعيًا أو مفروضًا بالقوة. فقد أُطلق الأمن العام حملات إعلامية تحترم عقل المواطن، وتشرح له الفائدة من الالتزام بالقانون لإنفاق أقل وقتًا ضائعًا، وأقل وقودًا مُهدورًا، والحصول على أنظف هواء لأطفاله، وشوارع أكثر أمانًا. ولاحظنا أنه في بداية الشتاء لم تحرر مخالفات، بل إنذارات فقط، حرصا على اجتناب إرهاق المواطن ماديا.

وعندما شعر الناس بالفرق الحقيقي بعد الالتزام بقوانين السير وأخلاقياته وبشعار "السياقة فن وذوق وأخلاق" الذي تربينا عليه ولم يطبقه إلا ثلة من أهلنا، ووصول الحافلات في موعدها، والالتزام بالمسارب والسرعة وتغيير المسرب واستعمال الغماز، واختفت بعض الازدحامات، وتراجع زمن الرحلة، فبدأ الناس يدافعون عن النظام بدل التمرّد عليه. هذا ما ألمسه يوميا عند التنقل مع مركبات التطبيقات والتكسيات الصفراء، فأنا لا أستخدم مركبتي الخاصة إلا يوم الجمعة.

وهكذا بدأت مدينتنا تستعيد أنفاسها، من حيث تحسّن الهواء، وتراجع الضجيج، وانخفاض أعطال المركبات وزمن التنقل، وانتعش الاقتصاد المحلي، ولأول مرة بدأ يسمع الأردنيون جملة: الطريق فاضي… والتحرك أسهل!" لكن ما زلنا نأمل منع المركبات الكبيرة في أوقات الذروة بدون استثناء، وإيجاد مواقف للتكسي الأصفر ومنعه من التوقف أو تنزيل الركاب في غير المواقف المحددة، والحد من فوضى بكبات بيع الخضار وشراء الخردة وأصوات الأبواق وسماعات الصوت وحركة مركبات الغاز البطيئة وموسيقاها المزعجة.

الخلاصة هي أن العقل الذكي الذي نظم السير في الأردن لم يكن عبقريًا بمعجزة، بل كان منهجيا في عمله ورؤيته واضحة مبنية على دراسات علمية، وقراراته ثابتة، سخر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في خدمة الناس، وتسلح بإرادة سياسية لا تنثني عزيمتها. لقد أثبت هذا العقل الذكي أن المدن الحديثة ليست لإرهاق البشر، بل لراحتهم وتأمين وسائط نقل عامة معقولة الأجرة وبكفاءة عالية، وأن السير ليس بالضرورة فوضى أبدية، بل علم يمكن تنظيمه، وأن الأردن قادر على أن يصبح نموذجًا في إدارة الحركة والتنقل، بدلا من إعلان الفشل والهروب إلى عاصمة أخرى؛ فحين تتحالف الفكرة الصحيحة مع التنفيذ العلمي الشجاع تبلغ وجهتك في أقل جهد ووقت وتكلفة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }