أثار قرار الحكومة الأردنية بإعادة تفعيل خدمة العلم لمدة ثلاثة أشهر اهتمام الرأي العام، لما يحمله من أبعاد اجتماعية واقتصادية ووطنية، خاصة بعد تصريحات الكيان الصهيوني الوقحة. ورغم أن المدة قصيرة مقارنة مع الخدمة العسكرية التقليدية، إلا أن للقرار فوائد عديدة يمكن البناء عليها لتأهيل الشباب وضبطهم، و"شدشدة براغيهم"، وتعزيز مشاركتهم في المجتمع، وتعميق انتمائهم.
أولى هذه الفوائد تتعلق بالانضباط. إذ تُعتبر خدمة العلم مدرسة عملية تزرع في نفوس الشباب قيمة الالتزام بالمواعيد واحترام من هم أكبر منهم سناً ورتبة، فضلا عن طاعة القوانين والأنظمة. فالبرنامج يُدخلهم في بيئة مختلفة عن حياتهم اليومية، بيئة قائمة على الدقة والانضباط والعمل بروح الفريق والتعرف إلى بعضهم البعض رغم اختلاف المحافظات والثقافات والطبقات. وهذا الانصهار مطلوب بشدة في مجتمعنا هذه الأيام.
ولا تقل الفائدة الثانية المتمثلة في إنماء الشعور الوطني والانصهار الثقافي والطبقي أهمية عن الجوانب الأخرى. إذ تمنح خدمة العلم الشباب فرصة للاندماج مع أقرانهم من مختلف المحافظات والخلفيات الاجتماعية والثقافية، مما يعزز روح المساواة والانتماء الوطني. ففي هذه التجربة يلتقي الجميع على قاعدة واحدة، وقصة شعر واحدة، ولباس موحد، ومائدة واحدة، بعيداً عن الفوارق الطبقية أو الاقتصادية، ليشعروا بعمق المسؤولية المشتركة تجاه الوطن.
الفائدة الثالثة تتعلق بأن برنامج خدمة العلم هو بمثابة حلّ مرحلي مؤقت يمنح الشباب فرصة للانشغال في نشاط منظم، بدل البقاء بلا عمل والبحث عن مقاهي للسهر أو إزعاج الناس بقرقعة أصوات دراجاتهم النارية. صحيح أن الخدمة ليست بديلاً عن التوظيف الدائم، لكنها تقلل من الفراغ النفسي والاجتماعي الذي يعانيه الشباب الباحث عن فرص عمل، ولو مؤقتا، وتمنحه فرصة لاستلام راتب شهري يغطي مصاريف تنقلاته.
وفيما يتعلق بالراتب الشهري، فإنني كنت أتمنى أن يزداد هذا الراتب قليلا، على الأقل كيلا نظهر أمام جيراننا أننا عاجزون عن إكرام مكلفينا، ففي إسرائيل تتراوح الرواتب للخدمة الإجبارية بين 400 إلى 1000 دولار أميركي شهريا حسب موقع الخدمة، والحد الأدنى هو 400 دولار للوظيفة الأدارية. أقترح أن يكون الراتب للمكلف الأردني 200 دينار وهذا لن يزيد العبء على الميزانية أكثر من ستمئة ألف دينار شهريا، ويمكن تحصليه من ضريبة تضاف إلى ترخيص المركبات مثلا، يمكن تسميتها ضريبة المكلفين، والحكومات المتتابعة كانت دائما بارعة في ذلك ولا يشق لها غبار.
الفائدة الرابعة هي أن البرنامج يمكن أن يُصمم ليكون أكثر من مجرد تدريب عسكري. فإذا ما ترافق بدورات مهنية أو برامج مهارات حياتية، مثل تعلم صيانة المركبات ومهارات يدوية في البناء، بالتعاون مع الشركة الوطنية للتشغيل التابعة للقوات المسلحة، فإنه سيزوّد الشباب بقدرات جديدة تساعدهم على دخول سوق العمل وتدعمهم في التوظيف. وبهذا يتحول القرار من مجرد فترة إلزامية قصيرة، إلى محطة تدريبية مهمة تمكّن الشباب من تحسين سيرهم الذاتية واكتساب خبرات عملية.
لكن، ورغم كل هذه الإيجابيات، يبقى التحدي في كيفية إدارة البرنامج بفعالية. فنجاح خدمة العلم يعتمد على نوعية التدريب وجودة التخطيط، واحترام المكلف، وليس على المدة الزمنية فقط. فالمعاملة الطيبة للمكلف تجعله يحب وطنه أكثر.
كما أن استمرار مهمة التدريب في تحقيق الأثر المطلوب يستدعي ربطها بخطط وطنية أشمل، بحيث تسعى لتوليد فرص عمل حقيقية، بدل الاكتفاء بالحلول المؤقتة.
إن خدمة العلم لثلاثة أشهر ليست مجرد عودة إلى الماضي، بل يمكن أن تكون أداة مستقبلية لبناء أجيال أكثر التزاماً وانضباطاً، وأكثر استعداداً لمواجهة تحديات البطالة وسوق العمل، مع النظر جديا في فتح الباب أمام المكلفات أيضا، لأن نسبة العاطلات عن العمل من الإناث في الأردن أعلى بكثير من الشباب، فضلا أن استقطابهم يخفف مصاريف العوائل ذات الدخل البسيط.
وبناءً عليه، فإن الشرط المهم لنجاح هذه التجربة هو أن تُدار بعناية بالغة وجدية عظيمة، وأن تُستثمر لتكون جسراً بين التعليم وسوق العمل، وبين الفرد والوطن. إنّ خدمة العلم ليست مجرد فترة عابرة يقضيها الشباب في الميدان، بل هي مدرسة كبرى تعلّمهم الانضباط، وتمنحهم قوة الإرادة، وتغرس فيهم روح المسؤولية والالتزام. هي لحظة فاصلة يُدرك فيها الشاب أنّه ليس فرداً منعزلاً، بل جزء من نسيج وطني متين ومتنوع الفسيفساء، وأنّ قوته من قوة وطنه، وأنّ جهده وعرق زملائه هو البذرة التي تنبت أمناً وازدهاراً.
فإذا ما أحسن المكلف استثمار هذه التجربة، وخاصة بالإبتعاد قليلا عن هاتفه الخلوي، وهي وحدها تضحية ليست بالبسيطة، غدت بوابةً لتكوين جيل مؤمن برسالته، مدرك لواجباته، قادر على حمل الراية والمضي قدماً في بناء الوطن.
إنّها انطلاقة نحو مستقبل أكثر صلابة، حيث يتوحّد الشباب تحت لواء واحد: الانضباط في السلوك، والاندماج في المجتمع، والتضحية في سبيل الوطن. وهكذا تظلّ خدمة العلم عنواناً للشرف، ودليلاً على أنّ الأمم لا تُبنى إلا بسواعد أبنائها وعزائم شبابها وقيادتها الحكيمة.