في السنوات الأخيرة، أصبحت أزمة التلوث البلاستيكي من التحديات البيئية التي تهدد كوكب الأرض. فالمحيطات باتت تعج بالمخلفات البلاستيكية، والحيوانات البحرية تعاني من آثارها، فيما تدخل الجزيئات البلاستيكية الدقيقة إلى سلاسلنا الغذائية وتهددنا بالامراض.
في هذا السياق، اتخذت جمعية الأمم المتحدة للبيئة (UNEA) قرارًا تاريخيًا في دورتها الخامسة التي عقدت في نيروبي عام 2022، يمهّد الطريق نحو اتفاق عالمي ملزم قانونًا يهدف إلى إنهاء التلوث البلاستيكي بكافة أشكاله بحلول عام 2040. هذا القرار يشكل نقطة تحول في كيفية تعامل المجتمع الدولي مع البلاستيك، من إنتاجه إلى استهلاكه، ثم إلى إدارة نفاياته وإعادة تدويره. وفي شهر حزيران ٢٠٢٥ يجتمع العالم ليتخذ قرارا مصيريا بهذا الشأن.
جاء قرار الجمعية بعد سنوات من النقاشات المتواصلة حول الآثار الكارثية للتلوث البلاستيكي. وتشير الإحصاءات إلى أن العالم ينتج سنويًا أكثر من 400 مليون طن من البلاستيك، ولا يُعاد تدوير سوى أقل من 10% منها، في حين ينتهي جزء كبير منها في المحيطات والانهار أو يُحرق، مما يسهم في تلوث الهواء والماء ويؤثر سلبًا على الصحة العامة والتنوع البيولوجي وتلوث السلسلة الغذائية التي تزودنا بالغذاء عبر الجزيئات النانوية (nano) الدقيقة المتحللة.
قرار الجمعية (5/14) ينص على وضع أداة قانونية دولية ملزمة تُعالج الدورة الكاملة للبلاستيك، من مراحل التصميم والإنتاج إلى الاستهلاك وإدارة النفايات. وتكمن أهمية القرار في كونه يعترف للمرة الأولى بأن معالجة أزمة البلاستيك لا يجب أن تقتصر على النفايات فحسب، بل تشمل أيضًا تقليل الإنتاج المفرط للبلاستيك وتغيير أنماط الاستهلاك.
يسعى الاتفاق الذي يجري التفاوض حوله حاليًا إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، أبرزها الحد من إنتاج البلاستيك أحادي الاستخدام الذي يستخدم لمرة واحدة، الذي يُعد من أكثر أنواع البلاستيك ضررًا على البيئة.
والمطلوب ايضا إعادة تصميم المنتجات البلاستيكية بحيث تكون أكثر استدامة وامانا وقابلة لإعادة الاستخدام أو التدوير. وفرض التزامات على الشركات المنتجة لتتحمل مسؤوليتها في دورة حياة منتجاتها، وفقًا لمبدأ «المسؤولية الممتدة للمنتج».
ومن الضروري نقل التكنولوجيا والدعم المالي والتقني إلى الدول النامية لتتمكن من الالتزام بالاتفاق وتطوير بنيتها التحتية لإدارة النفايات. اذ ان إعادة تدوير البلاستيك تعد أحد المفاتيح الأساسية لحل الأزمة، لكنها لا تكفي بمفردها. فالكثير من أنواع البلاستيك لا يمكن تدويرها بسهولة، كما أن عمليات التدوير نفسها قد تنتج انبعاثات ملوثة. لذلك، يدعو القرار إلى تطوير منظومات اقتصاد دائري يكون فيها البلاستيك مستخدمًا بشكل مستدام، من خلال تقنيات مثل التدوير الكيميائي لتحويل النفايات إلى مواد أولية قابلة لإعادة الاستخدام، وإنتاج بدائل حيوية قابلة للتحلل مصنوعة من النباتات أو النشا، وتصميم المنتجات بطريقة تسهّل إعادة استخدامها أو إصلاحها بدل التخلص منها.
في هذا السياق، فإن تحويل الاقتصاد العالمي من نمط «الإنتاج-الاستهلاك-الرمي في النفايات» إلى نموذج دائري يمثل تحديًا كبيرًا، ولكنه ضروري لإيجاد حلول مستدامة.
ورغم الزخم الدولي وراء القرار، إلا أن التحديات كثيرة ومعقدة. من أبرزها مقاومة بعض الصناعات الكبرى، خصوصًا شركات النفط والبتروكيماويات التي ترى في تقليص إنتاج البلاستيك تهديدًا مباشرًا لأرباحها، كالسعودية.
كذلك هناك الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة في البنية التحتية لإدارة النفايات وتدويرها، وصعوبة مراقبة التنفيذ في ظل غياب آليات إنفاذ صارمة، وهو ما يجري التفاوض عليه حاليًا. فمثلا صدر قرار من وزارة البيئة الاردنية بمنع أكياس النايلون منذ سنوات، ورغم ذلك لم يطبق بعد للاسف، فسبقتنا دولة رواندا الأفريقية في ذلك، مثالا.
وهناك غياب الوعي الاستهلاكي في كثير من المجتمعات حول مخاطر البلاستيك وسبل تقليل الاعتماد عليه، فمن يعرف مخاطر تعرض العبوات البلاستيكية للشمس او الحرارة العالية يُذهل من اضرارها.
ومن النقاط البارزة في نقاشات الاتفاق الاممي هو إشراك المجتمع المدني، والمجتمعات المتضررة، والعاملين في قطاع النفايات في صياغة الحلول. فغالبًا ما تتحمل الدول الفقيرة والشرائح الهشة والمهمشة العبء الأكبر من التلوث، رغم أنها في بلاد ليست من كبار المنتجين، كالصين والولايات المتحدة. لذا، يُشدد القرار على أهمية ضمان عدالة بيئية من خلال:
تمويل عادل للدول النامية.
إدماج العاملين في القطاع غير الرسمي ضمن منظومات التدوير الحديثة.
إشراك النساء والشباب والمجتمعات المحلية في الحلول.
وبناء عليه، فان قرار جمعية الأمم المتحدة للبيئة حول البلاستيك يمثل لحظة فارقة في تاريخ التعاون البيئي العالمي هو اعتراف بأن أزمة البلاستيك ليست مجرد مشكلة نفايات، بل أزمة نظام اقتصادي واستهلاكي بأكمله. ومع التزام أكثر من 170 دولة بالمفاوضات لصياغة اتفاق نهائي قريبا، يبقى الأمل قائمًا في أن يخرج هذا الاتفاق بنتائج ملموسة وملزمة.