في لحظة مفصلية ضمن مسار التعاون الإقليمي في مجال الصحة العامة، استضافت تونس في 14 يونيو 2025 مؤتمرًا رفيع المستوى حول “الصحة الواحدة”، نظمته حكومة الجمهورية التونسية بالتعاون مع البنك الدولي ومنظمات الشراكة الرباعية وهي منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، والمنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH)، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP). جمع المؤتمر وزراء وممثلين عن قطاعات الصحة، والزراعة، والبيئة من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وشهد حضورا رسميا لافتا تصدره وزير الصحة التونسي الدكتور مصطفى الفرجاني، ووزير الزراعة السيد عبد المنعم بلعالية، ووزير البيئة السيدة ليلى الشايبي، إلى جانب عدد من الوزراء العرب المعنيين.
وقد تُوِّجت أعمال المؤتمر بإطلاق “إعلان قرطاج حول الصحة الواحدة”، في خطوة تجسّد التزامًا سياسيًا مشتركًا بتحويل هذا النهج من توصيات تقنية إلى أجندة تنفيذية متكاملة.
يأتي الإعلان في ظل معطيات وطنية وأقليمية، إذ تؤكد الإحصاءات أن أكثر من 75% من الأمراض المعدية الناشئة مصدرها حيواني، وتتسبب في ما يزيد عن 2.7 مليون وفاة سنويا. كما تكبّد الأمراض الحيوانية المنشأ الاقتصاد العالمي خسائر سنوية ضخمة تقدر بمليارات الدولارات، فيما تُظهر الأوبئة الكبرى، كالسارس وكوفيد-19، حجم الترابط الوثيق بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، والحاجة الملحّة لبناء أنظمة متكاملة لرصد هذه التهديدات والوقاية منها.
يشدّد إعلان قرطاج على أهمية تبنّي نهج شمولي ومتكامل لمواجهة هذه التحديات بشكل وقائي واستباقي، وذلك من خلال دمج مفهوم "الصحة الواحدة" في السياسات والاستراتيجيات على المستويات الوطنية والإقليمية وصولا إلى العالمية، وتعزيز الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر والرصد المشترك، إلى جانب تحديث التشريعات بما يجعلها أكثر مرونة وانسجامًا بين القطاعات الثلاثة. كما نصّ الإعلان على إطلاق مبادرة لإنشاء مركز إقليمي للصحة الواحدة مقره تونس، ليكون منصة للتنسيق وتبادل المعرفة والخبرات بين بلدان الإقليم.
ويُعدّ هذا الإعلان محطة فارقة في مسار الالتزام السياسي الجماعي على مستوى المنطقة، ورسالة واضحة بضرورة إحداث تحول جذري في كيفية التعامل مع الأوبئة، ومقاومة مضادات الميكروبات، وتغيّر المناخ، وتراجع التنوع البيولوجي. فلم يعد نهج "الصحة الواحدة" ترفًا علميًا أو إطارًا تنظيريًا، بل أصبح حاجة استراتيجية لبناء أنظمة صحية مرنة، قادرة على الصمود والاستجابة والتعافي السريع في مواجهة التحديات المعقدة والمتشابكة.
كما يفتح الإعلان المجال أمام بلدان الإقليم لتعزيز الحوار، وتطوير مشاريع مشتركة تقوم على التكامل بين القطاعات، وتبنّي الممارسات الفضلى القائمة إلى الأدلة العلمية والخبرة العملية. وبهذا، يشكّل "إعلان قرطاج" إطارًا إقليميًا واعدًا يُجسّد تطورًا في الوعي السياسي والمؤسسي بأهمية التعاون التشاركي العابر للقطاعات والحدود، لضمان صحة الإنسان، وسلامة الحيوان، واستدامة البيئة في آن واحد.