والحديث اليوم عنوانه ما يجري في غزة، وفلسطين عموما، من تجاوزات غير مسبوقة، تيرز الحاجة إلى تأمل التاريخ، بما يحمله من شواهد على مقدرة الأردن وملوكه في البذل لاجل فلسطين مهما تعاظمت التحديات.
ومن أتيحت له فرصة الاطلاع على وثائق الوحدة الأردنية الفلسطينية عام 1950 يدرك أن ذلك القرار كان أولى اختبارات علاقات الأردن مع جواره العربي، حيث تأسس تيار لدى الأشقاء العرب يعارضون الوحدة بين الشعبين واتهام الأردن بما ليس فيه وبعضهم عمل على أن يلغي دور الأردن الهاشمي ليستطيعوا شرعنة سرقة فلسطين والخنوع لكل قادم.
ومن المفارقات آنذاك أن الأردن هُدد بالفصل من الجامعة العربية، في مفارقة لم تسترع انتباه المؤرخين بعد، ممن بحثوا في الموضوع، فكيف لمؤسسة نادت بضرورة الوحدة العربية أن تعارض أول مشروع وحدوي عربي.
وحيال هذا الطرح المضاد أقر الملك الشهيد المؤسس – طيب الله ثراه – صيغة الوحدة بإعلانه أن «الضفة الغربية وديعة لدى الأردن ريثما تُقرر الحلول النهائية».
في تلك المرحلة التي كان فيها الوجدان العربي متغلغلاً لدى الفلسطينيين والأردنيين، تحققت وحدة سبقت زمانها بعقد من الزمن، فمن إنتقد واستشاط غضباً لأجل هذا الموقف الأردني الفلسطيني عاد وصنع وحدته التي فشلت، في مفارقة تنبأ عن تباغض الأشقاء دوماً من أي دور أردني.
على أية حال، مرت الوحدة الأردنية الفلسطينية بمحطات مهمة بعدها، من تأسيس لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1964م وافتتاح المغفور له الملك الحسين بن طلال لمؤتمرها التأسيسي في القدس، مروراً بمحطة النكسة ووصولاً الى مؤتمر الرباط 1974 وما أفضت إليه من قرارات وانتهاء بمحطة 1989م، والاعلان عن فك الارتباط.
إن أهمية هذه المراحل التاريخية أنها شرحت الأجواء والتضحيات والبذل الهاشمي لأجل فلسطين وتعطي صورة عن أول وحدة عربية حقيقية جامعة أسست لوحدة مصير الشعبين، ولكن الأشقاء العرب لم يتيحوا للتجربة أن تكتمل، ولم يمنح الأردن حقاً بالتريث وأخذ النفس.
ومع أن الجميع يعلم، والمنصف منهم يقول، كيف انقاد العرب إلى حرب عام 1967م، والتي يجب علينا أن نعترف أنها جاءت استجابة لطلب عبدالناصر ومسايرة للشارع العربي، حتى أن قيادة الجيش العربي سلمت لعبدالمنعم عامر، بصفته قائداً للجبهة الشرقية، فأضاع العرب على الأردن ما أَضاعوا! ومن المفارقات أن يطلب أحدهم - قبل أعوام- وفي ندوة له من الأردن إعادة الضفة الغربية من الاحتلال، ويتناسى أن من جر الأردن لهذه النكسة أولى أن يطلب إليه ذلك.. فألم تكن تلك مرحلة من ليس معنا فهو علينا!.
ما يجب التأصيل إليه اليوم في ذهن النشء أن التضحيات التي دفعها الأردن وبخاصة جيشه العربي من شهداء تتجاوز المزاودات كافة، وإعادة القراءة لسياق الأحداث التي رتبت العلاقة الأردنية الفلسطينية يجب أن تأخذ بالاعتبار تضحيات جيشنا العربي، والجيش في البوصلة الأردنية هو الوجدان ومستودع الذاكرة الحية.
لقد سبق الأردن وملوكه وشعبه الزمان في البذل الحقيقي، والشواهد لا تقف عند التاريخ وحسب، بل بالحاضر الممتد حيث البذل لغزة، أرضها وإنسانها، ومن أدوار كبيرة ما تزال ماثلة في نفوس من يقدرون لهذا البلد حقه