كما تعاني غزة اليوم، تعرضت بعض الدول في تاريخ الصراع والحروب العنيف في العالم إلى حصار اقتصادي وعسكري خانق هدف إلى عزلها عن العالم الخارجي وشل قدرتها على استيراد السلع الأساسية، خصوصًا الغذاء والدواء. طبعا في حال غزة، أضف إلى ذلك الماء والكهرباء أيضا. إذ يفرض الحصار تحديات كبيرة على الدول، خصوصًا فيما يتعلق بتأمين الاكتفاء الذاتي من الغذاء والموارد الضرورية لبقاء السكان.
إحدى التجارب التاريخية الناجحة في مواجهة الحصار كانت بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، حيث اضطرت إلى إعادة هيكلة نظامها الزراعي والإنتاجي لمواجهة نقص الموارد، وذلك عندما فرض الألمان حصارًا بحريًا على بريطانيا باستخدام الغواصات، وهو ما قطع الإمدادات الغذائية الحيوية التي كانت تعتمد عليها من الخارج. في مواجهة هذا الحصار، أطلقت بريطانيا مبادرة «حدائق النصر» (Victory Gardens)، والتي كانت تهدف إلى تشجيع المواطنين على زراعة الطعام في كل مساحة متاحة، بما في ذلك الحدائق الخاصة، الحدائق العامة، وحتى الملاعب وال?ناطق المفتوحة.
كانت هذه الاستراتيجية جزءًا من حملة واسعة النطاق أطلقتها الحكومة لتحفيز الإنتاج المحلي وزيادة القدرة على التحمل. وكانت الحكومة تشجع على زراعة الخضروات الأساسية مثل البطاطا والجزر والسبانخ والفول والحمص والعدس، وهي محاصيل مغذية وسهلة النمو. كما قدمت إرشادات حول أفضل الطرق لزراعة المحاصيل في ظل الظروف المناخية المحدودة وفي مساحات ضيقة.
وهكذا يمكن لأي دولة تحت الحصار أن تتبنى هذه الاستراتيجية من خلال تحفيز سكانها على استغلال كل مساحة زراعية ممكنة في المناطق الحضرية والريفية. حتى الأسطح والشرفات يمكن تحويلها إلى مساحات إنتاجية. إذ يجب تقديم الدعم الفني والإرشادات الزراعية من قبل الحكومة أو المؤسسات المحلية لضمان تحقيق أفضل النتائج، وهذا هو دور مؤسسات المجتمع المحلي، كما فعلت الجمعية الأردنية «العربية لحماية الطبيعة» في مشروع «إحياء مزارع غزة».
إلى جانب تجربة بريطانيا، يمكن أن نستلهم من تجارب دول أخرى واجهت حصارًا اقتصاديًا أو كانت تعاني من ندرة الأراضي الزراعية، مثل كوبا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في أوائل التسعينيات. مع فقدان الدعم الاقتصادي السوفييتي، وجدت كوبا نفسها أمام أزمة غذائية خانقة. كان رد فعلها هو تبني ما يُعرف بالزراعة الحضرية (Urban Agriculture)، حيث تم تحويل مساحات كبيرة من المدن إلى حقول زراعية صغيرة. أنشأت الحكومة الكوبية برامج لتشجيع السكان على زراعة المحاصيل الغذائية في المناطق الحضرية، واستُخدمت المساحات المتاحة مثل الأسطح و?لحدائق العامة وحتى المناطق الصناعية. بفضل هذه الجهود، أصبحت كوبا قادرة على إنتاج نسبة كبيرة من احتياجاتها الغذائية من داخل المدن.
ويمكن لدولة تحت الحصار أن تتبنى الزراعة الحضرية كحل قصير الأمد، خاصة إذا كانت تفتقر إلى الأراضي الزراعية الكبيرة. فمن الممكن استخدام التقنيات الحديثة مثل الزراعة العمودية والزراعة المائية (Hydroponics)، أو (Aquaculture) لزيادة الإنتاجية في المساحات الصغيرة. وهي تجارب كانت ناجحة في مخيم الزعتري في الأردن.
على الدول تحت الحصار اختيار محاصيل محلية تتناسب مع الظروف المناخية والجغرافية، مثل خصوصية غزة، مثل الحبوب والخضروات التي تحتاج إلى مياه قليلة ولها قيمة غذائية عالية. ومن الأمثلة الجيدة التي يمكن اقتباسها تجربة الصين في زراعة الأرز، حيث استخدمت الصين أصناف أرز متكيفة مع الظروف القاسية مثل الجفاف أو الفيضانات. وهذا أمر شاق لا ريب في ظل حصار يفرض قيودًا على الموارد جميعها، بحيث تصبح إدارة المياه الصالحة للشرب والزراعة قضية أساسية.
تحلية المياه بالتقطير البسيط هي عملية تستخدم لفصل الماء النقي عن الأملاح والشوائب من خلال تسخين المياه المالحة حتى تتحول إلى بخار، ثم يتم تبريد البخار ليعود إلى الحالة السائلة على شكل ماء نقي. في هذه العملية، يتم تسخين الماء في وعاء مغلق بواسطة تركيز الأشعة الشمسية، حيث يتصاعد البخار تاركًا الأملاح والمعادن خلفه. بعد ذلك، يتم توجيه البخار إلى سطح بارد أو أنبوب مكثف، حيث يتكثف البخار ويجمع كماء صالح للشرب. التقطير البسيط يعتبر من أقدم تقنيات تحلية المياه، ويُستخدم في المناطق التي تفتقر إلى مصادر المياه العذ?ة.
من بين الاستراتيجيات الناجحة التي يمكن تطبيقها هي تحسين أنظمة تخزين الغذاء لتأمين كميات كافية لفترات طويلة، وخاصة تطوير تقنيات حفظ الأغذية مثل التجفيف والتعليب، لضمان عدم فساد المحاصيل والمنتجات الغذائية لفترات طويلة. يُنصح كذلك بتنويع المخزونات لتشمل الحبوب والبقوليات، والتي تُعد من أكثر الأغذية المستدامة غذائيًا وسهلة التخزين.
وفي ظل محدودية الموارد، يمكن استلهام نموذج اليابان في إعادة تدوير النفايات الزراعية واستخدامها كسماد طبيعي. فاليابان، رغم قلة الأراضي الزراعية المتاحة، تمكنت من تعظيم إنتاجيتها من خلال استخدام تقنيات زراعية متقدمة وإعادة تدوير الموارد. يمكن لدولة تحت الحصار تشجيع إعادة استخدام النفايات العضوية وتحويلها إلى سماد لزيادة الإنتاج الزراعي.
خلال الحرب العالمية الثانية، ورغم أن السويد لم تكن جزءًا من الصراع بشكل مباشر، إلا أنها عانت من نقص الموارد بسبب الحصار المفروض على الدول المجاورة. اعتمدت السويد على التعاون المجتمعي بشكل كبير، حيث تم إنشاء تعاونيات زراعية مجتمعية تساهم في توزيع الإنتاج الزراعي بشكل عادل بين السكان، مما ضمن وصول الغذاء للجميع. فيمكن لأي دولة تحت الحصار أن تستفيد من هذا النموذج من خلال تشجيع التعاونيات الزراعية، التي تتيح للمزارعين والمواطنين العاديين التعاون في إنتاج وتوزيع الغذاء بشكل عادل ومنصف.
ففي ظل حصار اقتصادي وعسكري لاانساني غير مسبوق، يصبح التكيف والإبداع في استخدام الموارد المتاحة أمرًا حاسمًا لبقاء الدولة وشعبها، خاصة في ظل دخول الحرب سنتها الثانية. فمن خلال الاستفادة من التجارب السابقة مثل تجربة بريطانيا في الحرب العالمية الثانية وكوبا في التسعينيات، يمكن للدول مواجهة تحديات الحصار وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى حد مقبول لتجنب المجاعة على الأقل. إذ تعتمد الاستراتيجيات المقترحة على تشجيع الإنتاج المحلي العائلي، إدارة الموارد بفعالية، وتطوير الصناعات المحلية المدورة، وانتاج الطاقة الكهربائية م? الشمس والرياح، وتحلية المياه بالتقطير البسيط، وكلها عوامل أساسية لضمان البقاء في ظل ظروف معقدة وصعبة.