أزمة كورونا (COVID-19) أحدثت تحولاً جذرياً في طبيعة العمل على مستوى العالم. فمع فرض إجراءات الحجر الصحي والإغلاق التي عانينا منها عام 2020، اضطرت العديد من الشركات والمؤسسات التعليمية وغيرها إلى تبني نموذج العمل عن بُعد لضمان استمرار الأعمال. وفي هذه المقالة سوف نبحث عن فوائد هذا التوجه، وكيف يمكن دعمه حكوميا، وما هي تجارب بعض الدول في الاستثمار فيه؟
من بين فوائد العمل عن بُعد الحفاظ على الصحة والسلامة العامة، واكتساب الخبرات في استخدام البرامج الجديدة، مثل Zoom وMicrosoft Teams وSlack، وتوفير بيئة عمل مرنة تلبي احتياجات الموظفين الشخصية والأسرية، مما يزيد من إنتاجيتهم وراحتهم وتفاعلهم العائلي.
ومن فوائد العمل من البيت أيضا خفض أزمات التنقل على الطرقات، الأمر الذي يقلل من التلوث والازدحام، ويوفرالمرونة في العمل، التي تمكن الموظفين من إدارة وقتهم بشكل أفضل، وتحقيق توازن أكثر انسانية بين الحياة المهنية والشخصية، ويوفر تكاليف التنقل على الموظفين التي ربما تصل في بعض دول العالم الثالث إلى نحو ربع دخل الموظف أو تزيد.
العمل عن بُعد يحمل العديد من الفوائد البيئية أيضا، والتي يمكن أن تسهم بشكل كبير في الحفاظ على البيئة وتقليل الأضرار البيئية الناجمة عن أنماط العمل التقليدية. إذ إن تقليل عدد العاملين الذين يتنقلون يومياً على الطرقات يخفف الضغط على وسائل النقل الخاصة والعامة والبنية التحتية المتعلقة بالنقل، مما يقلل من الحاجة إلى التوسع في هذه البنية التحتية وصيانتها.
ومن أبرز فوائد العمل عن بُعد، انخفاض عدد المركبات على الطرقات وتقليل الازدحام، مما يؤدي إلى تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والملوثات الأخرى الناجمة عن وسائل النقل نتيجة انخفاض استهلاك الوقود الأحفوري، مما يساهم في الحفاظ على الموارد الطبيعية وتقليل التلوث، وكذلك يحسن جودة الهواء ويقلل من المشكلات الصحية المرتبطة به.
إن تقليل عدد المكاتب المفتوحة أو تشغيلها بنصف طاقتها يقتصد في الايجار ويؤدي إلى تقليل استهلاك الكهرباء والطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة والإضاءة وتشغيل الأجهزة الكهربائية، وبالتالي يخفض من أسعار الخدمات على المستهلك. كما يقلل العمل من المنزل من كمية النفايات الناتجة عن التغليف والأدوات المكتبية والمستهلكات اليومية التي يتم استخدامها في المكاتب.
وتوجد في العالم العديد من الأمثلة الناجحة لجهود الحكومات في تبني ودعم العمل عن بُعد، خاصة عقب انتشار جائحة كورونا. هذه الأمثلة تظهر كيف يمكن للحكومات أن تكون محفزًا للتغيير الإيجابي وتدعم الشركات والأفراد في التحول إلى نمط العمل عن بُعد، فمثلا تُعد استونيا من الدول الرائدة في تبني التقنيات الرقمية والعمل عن بُعد. ومن أبرز جهودها انها تقدم مجموعة واسعة من الخدمات الحكومية الإلكترونية، مما يسهل على المواطنين إنجاز المعاملات الحكومية من أي مكان. ولديها برنامج الإقامة الإلكترونية (e-Residency) الذي يتيح للأجان? تأسيس وإدارة شركات عبر الإنترنت في إستونيا دون الحاجة إلى التواجد الفعلي في البلاد.
أما فنلندا فدعمت العمل عن بُعد عبر سياسات حكومية مبتكرة، حيث تم تعديل قوانين العمل لتسهيل العمل عن بُعد، مع ضمان حقوق العاملين فيها وتأمينهم صحيا وتوفير بيئة عمل مرنة. وكذلك تعزيز الشبكات الرقمية وتوفير إنترنت عالي السرعة للمناطق الريفية والحضرية.
واليابان تبنت سياسات مشجعة للعمل عن بُعد أيضا، وذلك نتيجة لأزمة كورونا، حيث قدمت دعمًا ماليًا للشركات الصغيرة والمتوسطة لتبني تقنيات العمل عن بُعد، وأطلقت مبادرات لتشجيع الشركات على تقديم خيارات عمل مرنة لموظفيها.
واتخذت الإمارات العربية المتحدة خطوات كبيرة في دعم العمل عن بُعد، مثل تنفيذ استراتيجية الحكومة الذكية التي تتيح تقديم الخدمات الحكومية عبر الإنترنت، مما يقلل الحاجة إلى التنقل. كما ضخت استثمارات كبيرة في تحسين البنية التحتية للاتصالات لضمان توفير خدمات الإنترنت عالية السرعة لجميع المواطنين والمقيمين.
والولايات المتحدة الأميركية شهدت جهودًا حكومية على مستوى الولايات الفيدرالية والمحلي، لتشجيع العمل عن بُعد في القطاعات الحكومية. فالعديد من الوكالات الحكومية الفيدرالية شجعت موظفيها على العمل من المنزل، مع تقديم الأدوات اللازمة لضمان استمرارية الأعمال، فيما قدمت بعض الولايات حوافز ضريبية للشركات التي تتبنى سياسات العمل عن بُعد.
فما ينبغي على الحكومات فعله لتشجيع العمل من البيت هو تطوير البنية التحتية الرقمية وتوفير اتصال إنترنت عالي السرعة ومستقر لكافة المناطق، بما فيها الريفية والنائية، وتقديم حوافز ضريبية للشركات التي تتبنى نموذج العمل عن بُعد وللموظفين الذين يعملون من المنزل، ووضع قوانين وسياسات تدعم حقوق العمال عن بعد، مثل حق الوصول إلى المعدات اللازمة وضمان ساعات عمل مرنة، وتوفير برامج تدريبية للعاملين وأصحاب الأعمال لتطوير المهارات الرقمية والتكيف مع نمط العمل الجديد، وتوفير برامج لدعم الصحة النفسية للموظفين الذين قد يعانون?من العزلة الاجتماعية وضغوط العمل عن بعد.
وبناء عليه، فالعمل من البيت عن بُعد أصبح ضرورة في ظل جائحة كورونا، لكنه أظهر العديد من الفوائد التي تجعل منه خياراً مستداماً للمستقبل. فالمطلوب تقديم الدعم المناسب من الحكومات، بحيث يمكن تعزيز هذا النموذج ليصبح جزءاً لا يتجزأ من اقتصاد المستقبل، مما يساهم في تحسين جودة الحياة للعاملين وتقليل الأزمات البيئية والمرورية. وتبرز الأمثلة الناجحة الأخيرة كيف يمكن للحكومات أن تلعب دورًا محوريًا في دعم وتسهيل العمل عن بُعد من خلال السياسات والمبادرات المختلفة. إذ إن تبني هذه السياسات لا يساهم فقط في تحسين ظروف العم? للموظفين، بل يساهم أيضًا في تحقيق فوائد بيئية واقتصادية كبيرة تجعل منه خياراً مستداماً ليس فقط للشركات والموظفين، بل أيضاً لكوكب الأرض. إذ إن تبني هذا النمط من العمل يمكن أن يكون خطوة مهمة نحو مستقبل أكثر خضرة ونظافة واستدامة، لنا وللأجيال القادمة معا.