على مدى أربعين أو خمسين سنة مضت، غادر عشرات الآلاف من أبناء المحافظات محافظاتهم ميممين العاصمة عمان حيث العيش الرغيد وفرص العمل أكبر، وحتى فرص الاستثمار للاغنياء منهم ولن أقول الأثرياء، أكبر هي الأخرى.
هذا النزوح صوب عمان إن جاز الوصف، أفرغ المحافظات وعددها ١١ محافظة من أصحاب رؤوس الأموال الذين بمقدورهم الاستثمار بمشروعات تشغيلية في محافظاتهم تستوعب آلاف العاطلين عن العمل، وتعود عليهم هم بمردود مالي جيد.
هؤلاء الكرام بعضهم وهم كثر من أصحاب الملايين، ومنهم من يزور محافظته ربما مرة أو مرتين كل عام لتقديم واجب عزاء بوفاة قريب أو شخص مهم اجتماعيا، أو تلبية لدعوة خاصة من شخص ما أو دعوة حفل زواج.
الأردن ليس بلدا مترامي الأطراف يحتاج الانتقال فيه إلى ركوب الطائرات، أبدا، سيارة تجوب المملكة شمالا جنوبا شرقا غربا خلال ساعات.
الغريب، أن هؤلاء الكرام الذين تركوا محافظاتهم منذ سنوات طوال، يحظون بالمناصب كحصص لتلك المحافظات باعتبارهم من أبنائها، أما قاطنوها فليس عليهم سوى القبول بهذا ولا ينسون طبعا التوجه إلى عمان لتهنئة من ظفروا بالمناصب على حسابهم.
لو أن كل من تركوا محافظاتهم وبنوا حياة جديدة لهم في عمان، وبالذات الأغنياء منهم، قدروا ظروف أهلهم هناك وما يعانيه جلهم من فقر وبطالة، لبادروا وفورا إلى إقامة مشروعات إنتاجية تشغيلية في محافظاتهم توفر مصدر دخل ولو كان قليلا لآلاف الشباب والشابات العاطلين عن العمل والذين يقبلون بالحد الادنى للأجور لمساعدة أسرهم وأهاليهم.
يقولون.. لا خير في من لا خير فيه لأهله، ومحمد صلى الله عليه وسلم يقول، خيركم خيركم لأهله وانا خيركم لأهلي.
وبالمناسبة، فلو أجرينا مسحا لعدد السيارات الحكومية التي تعود في نهاية دوام كل يوم إلى المحافظات قريبها وبعيدها وكلها قريبة جدا من عمان، لوقفنا أمام حقيقة أن هذا أمر لا يستقيم، فالمواطنون في ١١ محافظة، يرغبون في رؤية سيارات حكومية كثيرة تعود إلى مدنهم وقراهم من ذوات أرقام الترميز ١و٢و٣ عصر كل يوم وتنام فيها ليشعروا بانهم جزء مهم في الدولة، أما أن يقتصر الأمر على سيارات البلديات والدفاع المدني بحكم الواقع وربما سيارات أمن عام إن كانت هناك مشكلة ما مثلا، فذلك حال لا يبعث على الارتياح ابدا.
عمان عاصمتنا غالية علينا ولكم تمنيت لو انها بقيت عمان ذات الجبال السبعة فقط لا ان تفيض خلف الجبال نحو الحقول الزراعية ويختلط فيها كل نشاط سياسي اقتصادي اجتماعي وعلى نحو جعلها مقصد كل باحث عن العمل والقرب من خدمات أفضل وعيش أفضل وكأن المحافظات لم تعد صالحة للعيش فيها، في حين أن السكن في كوخ على قمة جبل في أية محافظة، أهدأ واجمل طبيعة وأنقى هواء من أرقى مناطق عمان. الله من أمام قصدي.