لماذا ينبغي على الدين ألا يخاف من الفلسفة؟

تاريخ النشر : السبت 01:06 23-3-2024
910
د. أيوب أبودية

تشجع الفلسفة على التأمل في الكون من خارجه، وطرح الأسئلة، والفحص التجريبي للأفكار، والتحليل النقدي للمعتقدات والمذاهب والمبادئ التقليدية، والتواضع في ادعاء المعرفة؛ وهذه الخصال مجتمعة تساعد الأفراد المتدينين على تعميق فهمهم للعقيدة في إطار زمانها ومكانها، وتعزيز إيمانهم بالقضايا الميتافيزيقية من خلال البحث المنطقي ودروس التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والاجتماع والسياسة والفن. فالمتدين الذي يخاف من الفلسفة إما أن يكون إيمانه ضعيفا أو تكون قدراته العقلية على التحليل والتركيب محدودة. ومن هنا نتساءل: ما هي فوائد دراسة الفلسفة على فهمنا للدين؟

يمكن أن تساعد الأدوات الفلسفية ومناهجها، كالمنطق والمناهج العلمية واللغوية وغيرها، كالمنهج التحليلي والتركيبي الذي يستند إلى تحليل ومن ثم إعادة تركيب المقدمات لإثبات علاقة علمية بين الفكر والفكر وبين الفكر والوجود؛ والمنهج الصوفي الذي يدعو إلى تطهير الذهن أولا كي يسمح باستنارة العقل، والمنهج النفسي الذي ينشد البحث في أصول الأفكار، والمنهج النقدي الذي يسعى إلى تحليل القضايا المعرفية ونقدها، والمنهج الجدلي الذي يسهم في تحديد الفكرة ونقيضها، ومن ثم خلق فكرة جديدة نوعيا.

فمثلا، تسهم المنهجية اللغوية في تفسير النصوص والمفاهيم الدينية، لأنها «حمالة أوجه» ينطق بها الرجال، كما قال الامام علي، مما يسمح بفهم أكثر دقة للكتب المقدسة ووضعها في سياقها التاريخي والاطار المفاهيمي الذي صاغها (البراديم وفق توماس كون)، والكشف عن الانحراف في التقاليد المتوارثة. كذلك، توفر الفلسفة أطرًا منطقية للتفكير الأخلاقي، واتخاذ القرارات الأخلاقية التي تناسب العصر وتتطور معه، والتي يمكن أن تفيد المؤمنين المتدينين في تطبيق عقيدتهم على المعضلات الأخلاقية المعاصرة من دون تطرف أو قمع.

وتعزز الفلسفة الانفتاح الثقافي بين الحضارات عوضا عن ترسيخ «صراع الحضارات» وتقربنا من وجهات النظر العالمية، وخاصة في عالم أصبح قرية صغيرة في ظل العولمة؛ وتحفز التسامح الديني مع الاخر الذي ينتمي إلى طائفة أخرى في الوطن نفسه؛ كما تعزز الحوار بين التقاليد والمذاهب الدينية المختلفة في داخل الدين نفسه، كالسنة والشيعة الذين لم نشهد تصالحا حقيقيا بينهما بعد، رغم أن الحوار ما فتىء قائما بين الأديان منذ زمن بعيد؛ وأيضا تسهل الفلسفة التفاهم والاحترام المتبادل، وتعزز العدالة والمساواة بين الشعوب، إذا كان هذا ممكنا في عصر الاستقطاب السائد اليوم بين دول الشمال ودول الجنوب..

فبشكل عام، يمكن لتدريس الفلسفة أن يكمل التعليم الديني من خلال تعزيز التفكير النقدي، والتأمل الأخلاقي، والتحليل اللغوي، وإثراء المنهج الفكري لتمييز الغث من السمين داخل المجتمعات الدينية، كما سعى المحدثون الاسلاميون في عصر النهضة، مثل محمد عبده ومحمد رشيد رضا. وبناء عليه فإن دراسة الفلسفة جنبًا إلى جنب مع الدين يمكن أن تثري المنظور الفكري والتسامحي والانساني للفرد، وتقدم رؤى ووجهات نظر جديدة تعزز النمو الروحي والتطور المجتمعي، كما فعل فلاسفة العصور الوسطى.

لقد استكشف العديد من الفلاسفة عبر التاريخ المسيحي الفلسفة واستخدموها في تعزيز معتقداتهم الدينية من خلال المناهج الفلسفية، فقد أثرت أعمال القديس أوغسطين، مثل «اعترافات» و"مدينة الله»، تأثيرًا عميقًا على المسيحية الغربية. إذ استخدم أوغسطين الفلسفة في القرن الرابع الميلادي، وخاصة الأفلاطونية منها، لتوضيح المذاهب المسيحية والدفاع عنها ضد النقاد. كما شرع توما الأكويني في القرن الثالث عشر بدمج الفلسفة الأرسطية مع اللاهوت المسيحي. إذ سعى عمله الرئيسي، «الخلاصة اللاهوتية»، إلى التوفيق بين الإيمان والعقل، موضحًا كيف يمكن للفلسفة أن تعزز فهم الحقائق الدينية.

أما الفيلسوف العربي اليهودي موسى بن ميمون فقام بتجميع اللاهوت اليهودي مع الفلسفة الأرسطية في الأندلس عبر أعمال مثل «دليل الحائرين»، وذلك بهدف إظهار أن العقل والوحي يمكن أن يتعايشا بانسجام. أما الفيلسوف الإسلامي أبو حامد الغزالي فقد تعامل فلسفيا مع التوتر التاريخي القائم بين الفلسفة والعقيدة الدينية. ففي عمله «تهافت الفلاسفة»، انتقد الغزالي فلاسفة المسلمين المتأثرين بفلسفة اليونان مستخدما أدوات الفلسفة المنطقية، وجادل بأولوية المعرفة الدينية على العقل.

انخرط هؤلاء الفلاسفة بعمق في البحث الفلسفي والتقاليد الدينية في سعيهم صوب تعميق فهمهم لعقيدتهم وتسويغها من خلال الاستكشاف الفلسفي. ورغم أنهم من الفلاسفة القدماء فهذا لا يعني عدم وجود فلسفات معاصرة استخدمت الفلسفة لدعم الدين. فمثلا، سورين كيركجارد هو فيلسوف وجودي مسيحي من أعلام القرن التاسع عشر استكشف طبيعة الإيمان في أعمال مثل «الخوف والارتعاش»، حيث أكد على الجانب الذاتي والعاطفي للمعتقد الديني وانتقد العقلانية في عصره. وقد سار من بعده فلاسفة وجوديين معاصرين مثل مارتن بوبر، وبول تيليش، وغبرييل مرسيل، وكارل يسبرز، وغيرهم.

خلاصة القول إن المؤسسة الدينية ينبغي ألا تخاف من تدريس الفلسفة بل أن تتعلمها وتعلمها في المدارس والجامعات للدفاع عن العقيدة، وهذا ما يحتاجه طلبتنا عندما يرتحلون إلى الغرب للدراسة، إذ يفتقدون القدرة على الحوار العقلاني فيلجأون إلى الاستشهاد بالنصوص الدينية التي لا يعترف بها الاخر، لذلك استوجب تدريبهم الفلسفي منذ نعومة أضفارهم، وليس فقط في مراحل متقدمة من التعليم الالزامي، وهذا ما أوصت به اليونسكو في تقريرها عن تدريس الفلسفة في العالم العربي، والذي سوف يكون موضوعنا في المستقبل.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }