في عصر يتميز بالتقدم التكنولوجي السريع والديناميات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتطورة باستمرار، وخاصة في ظل التغير المناخي وآثاره على شتى بقاع الارض، وما ينجم عن ذلك من صراعات حول الطاقة والمياه والأرض والثروة والوظائف، يتجاوز دور التعليم مجرد نقل المعرفة وحفظها؛ اذ بات يستدعي تعزيز التفكير النقدي ودراسة البعد الأخلاقي والفهم الأعمق للتجربة الإنسانية، فضلا عن تسويغ التنوع الثقافي والديني والعرقي والسياسي. ويبرز تدريس الفلسفة على مستوى المدرسة كوسيلة فعالة لتحقيق هذه الأهداف، مما يوفر عددا لا يحصى من الفوائد التي تمتد إلى ما هو أبعد من حدود الفصل الدراسي ومواده الأساسية.
يزود تدريس الفلسفة الطلبة بمهارات التفكير النقدي الأساسية التي لا غنى عنها في التعامل مع تعقيدات الحياة المعاصرة وسرعة تغيرها، وذلك من خلال التعامل مع النصوص الفلسفية، والمفاهيم المجردة، والمشاركة في المناقشات المثيرة للتفكير، إذ يتعلم الطلبة من خلالها تحليل الحجج، وتقييم مصداقية الأدلة، لبناء ترابط متماسك بين المقدمات المنطقية للوصول إلى نتائج واقعية تتحدى الحكمة التقليدية، وتتعامل مع المعضلات الأخلاقية بوضوح واقتناع وتواضع ومسؤولية.
علاوة على ذلك، تعزز الفلسفة الفضول الفكري، وحب التعلم مدى الحياة، من خلال تعريض الطلبة لأسئلة متجددة حول الوجود والمعرفة والأخلاق والجمال وطبيعة الواقع، حيث تشجعهم الفلسفة على التشكيك في الفرضيات والمسلمات في مختلف العلوم، بما في ذلك العلوم الطبيعية منها، واستكشاف وجهات نظر متنوعة، ونشدان علمية التعامل مع نسبية المعرفة من جهة الحقائق المطلقة.
وينبغي ألا تخيف هذه العقلانية النقدية المتدينين، فقد استخدم الفلاسفة المسلمون، وعلى رأسهم الغزالي، الفلسفة نفسها لنقد الفلسفة وإثبات بعض المسلمات العقائدية، كما استخدم ابن سيناء الفلسفة لإثبات انفصال النفس عن الجسد في دليل الرجل الطائر الذي سبق الفيلسوف الفرنسي ديكارت بستمائة عام. كذلك استخدم الفلاسفة المسيحيون الفلسفة لإثبات وجود الله والروح والملائكة والثواب والعقاب، مثل القديس أنسلم، والقديس أوغسطين، وتوما الاكويني، وغيرهم. فضلا عن أن هناك فلسفة معاصرة مؤمنة بالله، كالفلسفة الوجودية المؤمنة من أتباع كيركيجارد ومن تلاه، مثل غبرييل مارسيل، ومارتن بوبر، وكارل يسبرز، وغيرهم.
كذلك، فإن تدريس الفلسفة يغذي التعاطف sympathy والاعتطاف empathy وينمي فهما أعمق للتجارب ووجهات النظر الإنسانية. فمن خلال البحث الفلسفي، يتم تشجيع الطلبة على التفكير في قيمهم ومعتقداتهم وتحيزاتهم ومقارنتها بتنوع وجهات النظر المختلفة التي تشكل عالمنا الكبير. ومن خلال التعامل مع المعضلات الأخلاقية ودراسة أسس العدالة والمساواة، يطور الطلبة شعورا قويا بالتعاطف والرحمة والاعتطاف، مما يضع الأساس لعلاقات شخصية معولمة هادفة، ومواطنة نشطة تستغرق المعتقدات الدينية والعرقية والاقليمية والمناطقية المتنوعة ولا تسعى إلى هدمها.
بالإضافة إلى تعزيز النمو الفردي، يحمل تدريس الفلسفة على مستوى المدرسة القدرة على تحفيز التقدم المجتمعي من خلال رعاية القادة المطلعين والأخلاقيين وشعورهم بالمواطنة. ففي عالم متزايد الترابط ومليء بالتحديات المعقدة، من تغير المناخ إلى الظلم الاجتماعي والحروب والابادة الجماعية للشعوب، حال فلسطين اليوم، إلى إبادة الآخر المختلف بالنزاعات المذهبية والطائفية والعرقية والثقافية، فقد ظهرت الحاجة إلى القيادات الأخلاقية والانسانية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. اذ تزود الفلسفة الطلبة بالتفكير الأخلاقي والوعي النقدي اللازم لمواجهة هذه التحديات بنزاهة وتعاطف، وبالتالي تعزز وجود مجتمعات أكثر عدلاً واستدامة وانسانية.
إن إدخال الفلسفة في المنهج الدراسي يعزز أيضا الشمولية والتنوع، من خلال استكشاف أعمال الفلاسفة من خلفيات ثقافية وعرقية ودينية متنوعة، إذ يكتسب الطلبة نظرة ثاقبة لثراء وتعقيد الفكر الإنساني وترابطه، فيتحدى الصور النمطية ويعزز الاحترام والتفاهم المتبادلين بين مختلف الثقافات. فالفكر العربي الإسلامي وحضارته له جذور في اليونان وفارس والهند والصين، وجذورنا الفلسفية والعلمية والأدبية والفنية راسخة في الفلسفة الاوروبية وعلومها وآدابها وفنونها.
وقد يجادل النقاد بأن تدريس الفلسفة في المدارس غير عملي أو غير ذي صلة بمتطلبات القوى العاملة الحديثة. ومع ذلك، فإن المهارات والتصرفات التي يعززها البحث الفلسفي -التفكير النقدي، وحل المشكلات بشكل إبداعي، والتواصل الفعال بين الباحثين، والتفكير الأخلاقي- الانساني هي السمات التي يبحث عنها أصحاب العمل في اقتصاد عالمي منفتح سريع التغير. علاوة على ذلك، فإن فوائد الفلسفة تمتد إلى ما هو أبعد من المنفعة الاقتصادية، وإثراء حياة الطلبة وتمكينهم من عيش حياة ذات معنى ومرضية مسترشدة بالعقل والرحمة والالتزام بالحقيقة والعدالة والمعايير الأخلاقية، فقد أثبتت الدراسات أن الطلبة الذين يدرسون الفلسفة يبدعون أكثر في العلوم الأخرى التي يدرسونها.
فإحدى الدراسات البارزة المثيرة للاهتمام هي بعنوان «فوائد الفلسفة للأطفال في المنهج المدرسي: رؤى من علم الأعصاب التربوي وعلم النفس الإيجابي» لستيفن نوريس ونوربرت سيموليك. يستكشف هذا البحث كيف يعزز إدخال الفلسفة في المناهج الدراسية القدرات المعرفية للطلبة، بما في ذلك التفكير النقدي والاستدلال ومهارات حل المشكلات، والتي أثبتت الدراسات أنها تؤدي بدورها إلى أداء أفضل للطلبة في المواد الأخرى مقارنة بأداء الطلبة الذين لا يتعلمون الفلسفة. والدليل هو أن النظام التعليمي العالمي «IB» الشهير ينخرط في التقديم لامتحاناته سنويا مئات الآلاف من الطلبة، والبرنامج يحتوي على مادتين لهما علاقة بالفلسفة، الأولى هي مادة الفلسفة نفسها، وهي اختيارية حاليا، ولكن هناك محاولات جادة لجعلها إجبارية، والثانية وهي نظرية المعرفة TOK، وهي إجبارية لكل الطلبة.
لذلك، نستطيع القول إن قضية دمج الفلسفة في المناهج الدراسية أصبحت أقوى من أي وقت مضى. إنها ليست مجرد ترف فكري، بل ضرورة معرفية ووجودية في عالم سريع التغير، كما أنها استثمار في مستقبل الناشئة، ورفاهية مجتمعاتنا، وسرعة اندماجها في العالم على قدم المساواة.