يحاول الإنسان في ميدان الحياة، أنْ يحقق أعلى مراتب السعادة لديه، فيبحث عن العمل المناسب، ويبذل الوسع في الوصول إلى العلوم الأكثر شغفا، ويصحب مَن يميل إليهم القلب، ويجاور السعداء ليسعد، ويملأ فكره بالأماني والأمالي مما يمكن تحقيقه، ويسارع في عمل الخيرات كأداء واجب نحو الدين والوطن والإنسانية لأنها ثلاثية لا يستغنى عنها في بناء السعادة.
وبين الفينة والأخرى، يتأكد للإنسان أنّ تحقيق أيِّ أمنية، لم ولن يكون إلا بمشاركة أخيه الإنسان، لأنّ البناء بحاجة إلى تعاون، وأنّ الصدق في التعامل من لوازم البناء، وأنّ السعيَ والعمل، هما الدليلان القويان على صدقِ المشاعر، ثمّ إنه من المؤكد أنّ سعادة الإنسان تتحقق في المجتمع الإنسانيّ، بعيدا عن الوحدة والوحشة، والوحوش بأنواعها.
ولقد استطاع الإسلام من خلال مواسم الطاعات، أن يجعل الإنسان في قمة سعادته، حينما يسير الإنسان جنبا إلى جنبٍ مع أخيه في الدّين، فيحققون جميعا الصورة النموذجية عن روح التكافل وصدق التعامل، فيرتقي المجتمع المسلم، على سلّم تحقيق السعادة ليس لأفراده فحسب بل للناس أجمعين، تحقيقا لقوله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلّم: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)). سورة الأنبياء: 107. على أن يحقق المسلمون من بعده تلك الرحمة للعالمين.
ويأتي موسم الحجّ من كلّ عامٍ هجريّ، في الشهر الأخير منه، فيزدحم حجاج بيت الله الحرام، في مكة المكرمة، وفي قصدهم البيتَ منافع لهم تتحقق على الصعيدين الفرديّ والمجتمعيّ، ذلك أنّ الشوق والحنين لأداء فريضة الحج يلازمان المسلمين طوال حياتهم، حتى الذين يحجون إلى البيت الحرام، يزدادون شوقا وحنينا إليه، لما يجدون من سَكِينة وطمأنينة وراحة بال، وهم يتفرّغون لذكر الله تعالى وأداء مناسك الحج.
كما أنّ وفدَ الرحمن - وهم حجاج بيت الله الحرام- يستشعر كلُّ واحد منهم رجلا كان أمْ امرأة- أنّ عليه واجبا عظيما تجاه ربِّه الذي يسّر له وأعانه على الوصول، وواجبٌ تجاه أسرته بالدعاء لهم، وواجب تجاه وطنه ليكون سفيرا حسنا، فيعطي انطباعا حسنا عن عادات وتقاليد مجتمعه، فتتشكل صورة نقية عن مجموع أولئك الحجاج، من خلال تصرفاتهم الفردية، وترسم صورة تحاكي الإنسانية لتقول لها:
(نحن الدعاة إلى السلام، ونحن الذين نقدم أجمل صور الإخاء والمودة، وأنّ الصدقَ شعارُنا، والتعاون دثارنا، وأنّنا أمة باقية ما بقي الزمان والمكان). وغير ذلك من عناوين الألفة والإخاء، في إطار القوة والمنعة، والتكبير والتوحيد والعبادة لربّ العباد.
لقد كان موسم الحج سابقا، ينقل أحداثه الكتاب والرحالة، ويصوّرون المواقف الإنسانية التي تشتمل على برّ الوالدين، والرأفة بالنساء، واحترام الكبير للصغير، ومشاركة الغنيّ لأخيه الفقير، والكلّ يتعاونون على تخفيف أعباء السفر ذهابا وإيابا، وحين العودة تكون أفراح الأهل والجيران، وهم يتوافدون يزفون الحُجاجَ إلى بيوتهم من مشارف المدن والقرى والبوادي، في صورة تجتمع فيها النفوس على المحبة واللقاء.
وأمّا اليوم.. فصورة الحجاج تبثّ من المناسك لحظة بلحظة، ليتعرف النّاسُ –كلُّ الناسِ- على ركن من أركان الإسلام الخمسة، فهذا هو أمامكم، بحياء وخشوع وتواضع واحترام، والحجاج منشغلون بالدعاء والتكبير والتهليل والدموع، بأسلوب حضاريّ، من غير ترتيب مسبق، وبلغات الأرض قاطبة، يقولون للناس هذا هو إسلامنا بكلّ شفافية ومصداقية، فمدّوا أياديكم صافحونا تصافح نفسَها البشَرُ.