إن توقف تنفيذ أحكام الإعدام الذي استمر قرابة عقد من الزمن لا يمكن اعتباره إلغاء لهذه العقوبة أو تجميدا لها، إذ لم يصدر قرار حكومي صريح بهذا الخصوص، ولم تجر أي تعديلات على النصوص القانونية التي تقررها، بل بقيت العقوبة قائمة واستمرت المحاكم الوطنية بإصدار أحكام بها. كما شهدت السنوات الماضية تعديلات تشريعية وسعت من نطاق تطبيقها في بعض الجرائم، الأمر الذي يؤكد أن ما كان قائما لم يكن سوى توقف عملي في تنفيذ أحكام الإعدام، دون أن يرقى إلى مرتبة الإلغاء أو التجميد القانوني.
ولما كانت هذه العقوبة استثنائية تمس الحق في الحياة، فقد أحاطها المشرع الدستوري بمجموعة من الضمانات، وردت في المادة (39) من الدستور التي تنص على أنه لا ينفذ حكم الإعدام إلا بعد تصديق الملك، وأن كل حكم من هذا القبيل يعرضه مجلس الوزراء على جلالته مشفوعا ببيان رأيه فيه. وبموجب هذا النص، يمر تنفيذ الإعدام بثلاث مراحل متتابعة، تتمثل في صدور حكم قضائي قطعي، ثم عرض الموضوع على مجلس الوزراء لإبداء الرأي، وأخيرا رفعه إلى جلالة الملك للمصادقة عليه. وعليه، فإن العودة إلى تنفيذ أحكام الإعدام لا تستوجب أي تعديل تشريعي، بقدر ما تتطلب قيام مجلس الوزراء بممارسة صلاحياته الدستورية برفع الأحكام القطعية إلى جلالة الملك للموافقة على تنفيذها.
أما على صعيد القانون الدولي، فإن المملكة غير مقيدة بأي اتفاق دولي يفرض عليها إلغاء هذه العقوبة. فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 – الذي تثور تساؤلات حول دستوريته لعدم عرضه على مجلس الأمة والمصادقة عليه بقانون – لم يحظر عقوبة الإعدام بصورة مطلقة، بل نصت المادة (6) منه على جواز الإبقاء عليها بالنسبة للدول التي لم تلغها، شريطة أن تقتصر على أشد الجرائم خطورة، وأن تصدر بموجب حكم نهائي عن محكمة مختصة، مع توفير ضمانات المحاكمة العادلة.
وفي هذا السياق، أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، في تعليقها العام رقم (36) لسنة 2018، أن الاتجاه نحو إلغاء عقوبة الإعدام يمثل تقدما في حماية الحق في الحياة، لكنها لم تعتبر استمرار الدول في الإبقاء عليها مخالفا للعهد، وإنما شددت على ضرورة قصر استخدامها على الجرائم الأشد خطورة، وضمان صدورها عن محكمة مختصة بعد محاكمة عادلة، وتمكين المحكوم عليه من ممارسة حقه في الطعن بالحكم. وهو ما ينسجم مع التشريع الأردني الذي يحصر هذه العقوبة في الجرائم الأشد خطورة، ويكفل ضمانات المحاكمة العادلة من خلال اشتراط صدور حكم قطعي عن محكمة التمييز، ووجوب الاستعانة بمحام في الجرائم المعاقب عليها بالإعدام.
أما الإلغاء الكامل لعقوبة الإعدام، فقد ورد في البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهو بروتوكول لم يصادق عليه الأردن، وبالتالي لا يترتب عليه أي التزام قانوني بإلغاء العقوبة أو الامتناع عن تنفيذها. كما أن القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والداعية إلى وقف تنفيذ الإعدام لا تتمتع بقوة إلزامية، وإنما تعبر عن توجه سياسي وحقوقي متنام على المستوى الدولي.
أما إذا اتجهت الحكومة إلى التوسع في تطبيق عقوبة الإعدام، فإن ذلك يستلزم بالضرورة تعديل التشريعات الجزائية النافذة التي تحدد الجرائم المعاقب عليها بهذه العقوبة، وفي مقدمتها جرائم المخدرات المرتبطة بالعصابات الإجرامية المنظمة والشبكات الخارجية التي تستهدف الأمن الوطني، وذلك وفق المسار الدستوري المعتاد لإقرار القوانين العادية.
وخلاصة القول، فإن العودة إلى تنفيذ أحكام الإعدام لا تمثل استحداثا لعقوبة جديدة أو خروجا على التزامات الأردن الدولية، بقدر ما تعبر عن إعادة تفعيل سياسة عقابية ظلت قائمة في التشريع الأردني ولم يجر إلغاؤها. ففترة التوقف السابقة لم تكن سوى امتناع عملي عن استكمال الإجراءات الدستورية اللازمة لتنفيذ الأحكام، أما اليوم فإن الدولة عادت إلى ممارسة صلاحياتها الدستورية في تنفيذ الأحكام القطعية ضمن إطار الشرعية القانونية والقضائية.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية