في كلمة مفعمة بالإنسانية، وتحمل طياتُها رسائلَ للصديق القريب والبعيد، وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الدورة السابعة والسبعين لهيئة الأمم المتحدة، ليبدأ كلمته بـ: «بسم الله الرحمن الرحيم». وفي كلمة استوقفني فيها أمور أهمها: الاختصار.
فماذا يكون في كلمة لأحد حكام الأرض وواحد من حكمائها المعدودين، ليقف أمام العالم، ويتكلم بكلمة كلّ جملة منها تحتاج إلى دراسة وتأنٍّ وتدبّر.
ليس للأردنّ عدوٌّ على وجه الأرض، فهو موئل السلم والسلام، ولكنّ الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وقف يحذر العالم من «ناقوس الخطر». ويكأنني به يحذّر عقلاء العالم، ممن يهضمون الحقوق، ويتصارعون على الحدود، والذين ذهبوا يملأون الاقتصاد بالتخمة، وجياع العالم يموتون على فقدان لقمة الخبز.
وبعد أن استهلّ كلمته، يدقّ ناقوس الخطر، فقد يكون البعض من أزيز الطائرات المتقاتلة، أو المدفعيات التي تدوّي قذائفُها على رؤوس المدنيين، لم يسمع أولئك ناقوس الخطر، فخاطب قلوبهم، فقال: «هل هذا المستقبل الذي سنتركه للأجيال القادمة؟». فالقتل والاقتتال ليس بطولة، وليست إنجازات نورثها لأجيالنا.
ثمّ بدأ بذكر أول الخيط: «على بلداننا الاتحاد على العمل المشترك». وأما على ماذا تشترك البلدان، فلسان حاله يقول لهم: ليس على منافسات اقتصادية تدمّر ولا تعمّر، بل على الذي هو خير، ثمّ يذكر أمثلة، منها:
أولا: «أزمة المناخ": ويذكّر بوجوب إيجاد: «شراكات قوية بين البلدان للحفاظ على التراث والبيئة». وهنا إشارة إلى الخطر الداهم، الذي يعلمه الكثيرون ولكنهم يديرون ظهورهم منشغلين، بما يمنع العالم سروره وحبوره.
ثانيا: «الأمن الغذائي": ويتناول جلالته صورة إنسانية معبّرة، من خلال كلمات قليلات بحروفها، عظيمة بمعانيها، وهو يوقظ العالم على صرخات الأطفال الجياع، وحتى الآباء والأمهات لا يتلقون الصحة، لماذا؟ لأنها: «تتعثر السلال الغذائية جراء الأزمة الأوكرانية». «وذلك يتطلب إجراءات مشتركة عالمية». وهذه أيضا تنبيه صارم «لمن كان له قلبٌ أو ألقى السَّمعَ وهو شهيد"
ثالثا: «تعزيز الاستثمار": وهنا توجيه يقول لهم من أنّ الاستثمار الحقيقي: «في الغذاء للنمو السكانيّ». فهل يعي أولئك الذين يستثمرون في الإنسان، من أن الاستثمار وجد ليخدم الإنسان.
رابعا: مكانة الأردنّ: ويحقّ للميك أن يفخر، من أنّ الأردنّ: «مصدر للاستقرار الإقليميّ، واللاجئين»، ويعطي لذلك مثالا فيقول: «كان اللاجئون السوريون قبل عشر سنوات مئتي ألف سوريّ، وأما الان فالأردن يستقبل: مليونا وثلاثمئة ألف سوريّ».
وتأملت كيف أن جلالته لم يعلّق بعدها كثيرا. فاجتهدت من عند نفسي فقلت: ويكأنني بجلالته يذكّر العالم بوعوده للأردنّ بتحمّل الأعباء عنه، وبإجراء اللازم تجاه الأزمة السورية، والبحث لحلول عملية، ولكنكم أيها العالم لم توفوا بكثير من وعودكم والأردنّ تحمّل الأعباءَ الإقليمية، فأين أنتم؟.
خامسا: «صراعات الشرق الأوسط": ويعطي علاجات لكلّ ذلك، فيقول جلالته: «الروح المعنوية بين أهل الجوار، والعمل لما أبعد من السياسة، شمول الشعوب وعدم الإقصائية، ويكون الشعب الفلسطيني واحد منها». ويأتي بالسؤال القويّ الذي يحتاج إلى تأمل وخصوصا ممن يصنعون النزاعات ولا يبالون بالشعوب، فيقول لهم: «ماذا لو كنا ألغينا الصراع منذ أمد بعيد؟ وكم من جيل سيكون قد عاش «
وأخيرا: يذكّر القادة في العالم، من أنّ «حقّ جميع الشعوب بتقرير مصيرهم؟». فأين حقّ الشعب الفلسطينيّ منها؟. وهنا يخاطب بضرورة الحلّ الأكيد: «على المجتمع الدوليّ أن يبعث رسالة قوية بشأن حقوق اللاجئ». ويختم برسالة العزّة والكرامة، ويذكّر الجميع أنه ينتمي لأمة عريقة: «واسمحوا لي كقائد مسلم أن أقول: إننا نلتزم بالدفاع عن التراث المسيحي في بلادنا وخصوصا في القدس».
وأختم مقالتي مقتبسا من مقالة جلالته، ما نحتاجه كلّ حين:
«هل هذا المستقبل الذي سنتركه للأجيال القادمة؟».