مما لا ريب فيه: أنّ التأخير في حلّ القضية الفلسطينية يزيدها تعقيدًا. فليس بالضرورة أنّ العوامل الزمنية وتراكماتها الترابية والقرارات المتلاحقة، وغضّ الطرف عن المتطرفين العنصريين أن يُحدِث نسيانا لدى الفلسطينيين، بل على العكس تماما، فقد أثبتت الأيام، أنّ المعادلة جذورية، وأنّ الأيام تزيد أصحاب الأرض تمسّكًا بها.
وفي الأيام الأخيرة وبعد انفكاك العالم من كوفيد (19). ظهرت الحركات الاستفزازية من المستوطنين في اقتحامات المسجد الأقصى، وما هي سوى تصرفات رعناء، فبعيدًا عن مناقشة الأمر من ناحية قدسية المسجد الأقصى للمسلمين، وهو أمر قريب مهما بعُد، لكننا واستثنائيًّا نقول:
بأيّ منطق يمكننا قبول التصرفات التي تكون في غير موقعها حتى لو كانت صوابا؟ وما هي النتائج المرجوّة من اقتحامات المسجد الأقصى؟ ومن هم أولئك الذين يدخلون رحاب مكان للعبادة وهم أتباع عبادة أخرى؟.
سيقولون ويؤولون، ويزحزحون الحقائق عن مواضعها، ويأتون بشرق الكلام وغربه، وليس عندهم مبالاة لقريب أو لبعيد، فهم يلهثون وراء اللاشيء، فقط لأنهم يريدون سماع صراخ الثكالى، وبكاء الأيتام وأنين المصابين.
وحينما تطورت الاقتحامات، نشأ جيل يدخل بالأبواق إلى باحات المسجد الأقصى، وليس هذا فحسب، بل بحماية الشرطة الإسرائيلية، وبتمجيد من الإعلام، وبتعزيز من وراء الكواليس.
هذا المسجد الأقصى.. سيبقى صامدا مهما اعترته تقلبات الأهواء، ومهما ازدحمت عليه الاقتحامات، والمرابطون رهنوا حياتهم لأجل الأقصى، والقدس التي منذ نشأتها وستبقى عربية.
ولكن السؤال: إلى أين تجرفون العالم، ألم يحرّك فيكم تلك المناظر من ملايين البشر وهم يقضون حتفهم بسبب كورونا؟. أنا لا أريد أن أتكلم بلسان العاطفة، ذلك أنّ بعض البشر لا يعرفون تلك النغمة، ويكفرون بكلّ نعمة، ولا يفرقون بين التمرة والجمرة، فقط يتقنون العزف على الأبواق، وهم يتفاخرون أنهم ينفخون بها في المسجد الأقصى. ولست أرى في ذلك فخر لمن تأمله.
ولقد كانت الوصاية الهاشمية على القدس والمقدسات، وستبقى رغم أنوف الحاقدين، فأين مراعاة تلك الوصاية، ونحن نرى الأردنّ يضبط موازين القوى والمشاعر، بالرأي المتوازن، ليبعد الشعوب عن لظى الحروب.
ألا يوجد تقدير لجهود الأردنّ في ميدان النزاع، الذي يعدُّ الأردنّ صمام أمان له في الإقليم على أقلّ تقدير؟. ولكن العتب على العقلاء في العالم، الذي يتركون الماء يسري تحت سرير النوم المرفه، ولا يدري ما يحوي ذلك الماء.. أو قد لا يكون ماء أصلا.
وعودًا بنا إلى المشهد الدراميّ المعتاد بكثرة في هذا العام، من اقتحامات يظنّ أصحابها أنهم يبنون أمجادا على تراث متهدّم، وهم لا يسمعون ولا يَعُون معنى المسجد الأقصى للمسلمين، وأنّ للصبر حدود، وللحليم أعصاب يضبطها، كما أنني لست في موقع التهديد ولا التنديد فذلك له أهله.. لكنني في موقع التنبيه:
الأقصى له أهله، ولن يضيعوه، والأرض لها أهلها لسبع أرضين تحت، ولاعالي الغلاف الجوّيّ فوق، وغشاء الفهم التخين لن يكون حاجزا ولا مانعا لفوهة البركان أن يثور.
فابقوا على طاولة النقاش، بحثا عن حلول أجدى من مخلفات القرون الوسطى، ودعكم من النفخ بالبوق فهو يسبب إرهاقا لنافخه وإزعاجا لغربانٍ تنعق بباحات المسجد المقدّس. والاقتحامات لا تثقل كاهل المرابطين، ولن تفقد حقًّا لأصحاب الحقّ.