نعيشُ في الأردنّ–حمَاه اللهُ مِن كلّ مكروه-، نعاضِدُ أنفُسَنا، ونمشي في رحابِ وطنٍ تعلَّمنا منه: «أنّ المواقف الإنسانية، واجب يتنامى وحقّ يتسامى، ويحتّم الواجب علينا أن نتنافس في أدائه، وأن نتراكض نحو الحقّ فنؤديه. وتلك أمور راسيات في مبادئ الأردنيين، حتى عُرفوا بها، وأُطلق عليهم: النشامى».
ففي لحظة انهدام عمارة اللويبدة، أقام الأردنيون بناء، ومن جميع أطيافهم من الجهات الأربع لهذا الوطن العزيز، فبنوا جسور المحبة، وارتقت الدعوات لله تبارك وتعالى: أن يخفف المصابَ عن أهلنا في تلك العمارة.
ولكنّ إرادة الله التي نؤمن بها جميعا، كانت سابقة لكلّ سبب أو مسبب، فارتقت أرواحُ شهداءَ منهم إلى الرفيق الأعلى، فنسأل الله لذويهم ولعموم الوطن الصبرَ والسلوان، وتمّ إنقاذ الأحياء منهم، وتلقى المصابون العلاج اللازم، شافاهم ربي وعافاهم.
ففي لحظة سماع الخبر، لم يكن النشامى غائبين، بل كانوا على أهبة الاستعداد بَدءًا برجال الدفاع المدنيّ مرورا بكافة القطاعات الأمنية، ورجال أمانة عمان.
كما أعطى المسؤولون الكبار الحدثَ حجمه، وأرسوا جميعا قواعد المعادلة الصعبة، بعناية فائقة ومعاملة صحيحة على أرض الواقع.
وكلّهم رجالات أبي الحسين المليك المفدى، الذي أعطى العزيمة للنشامى، كما في كلّ موقف نراه في المقدمة، واهتمامٍ منه منقطع النظير، فجزاه ربي خيرا، وجزى النشامى كلّ خير.
وعلى مدار أيام معدودات، كانت الجهود الاستثنائية من النشامى في جبل اللويبدة، تعطينا أملا بإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومع كلّ حالة نرى فيها أحياء، نتذكر الأجرَ العظيم الذي ينتظر الأشاوس من جميع القطاعات، فالأجر عظيم عميم، من رّبّ كريم: ((وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)).
لقد كانت قلوبنا مع رجال الإنقاذ، فقد لاقوا العناء الذي اختلط بالواجب فوجدوه أمرًا هيّنًا، وإلا فهو يصعب على الجبال العوالي، ولكنه لم يصعُب على النشامى في جبل اللويبدة.
كما أنّ الحدَث لم يمنع ضبط الأعصاب عند ذوي المصابين تحت الأنقاض، فكان الصبر والاحتساب مع كلّ حالة وفاة، فكانوا من الذين قال الله فيهم: ((إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)). وأعظم الله أجرنا بمن وافتهم المنية.
وأما الذين ارتقوا شهداء، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم، يبشّـرهم: (الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله). وأما المصابون فأجر من عند الله وعافية.
لقد كان النّشامى خير مثال للتضحية وأداء الواجب، ولن نوفيهم حقّهم بمقال ولا حتى بكتاب كامل، ذلك أنهم استطاعوا بصبرهم واستعداداتهم التي يشكرون عليها، عاملا قويًّا في تخفيف المصاب، وإعطاء صورة عظيمة عن هذا الوطن الذي لا يعرف التواني عن أداء الواجب، وخصوصا الواجب الإنسانيّ.
لقد كنتم أيها النشامى على الهواء مباشرة، ولن نستطيع وصفكم وأنتم تحاولون جاهدين مجتهدين، ببذل قصارى جهودكم، فالصورة كانت معبّرة ونحن نرى ذوي الرتب يدا بيد مع زملائهم، فقد تنازل الجميع عن الألقاب ليكونوا يدا واحدة، تزيل الهمّ عن الوطن الذي بناه آباؤهم، وهم يشيدون أجمل باقات الإخلاص والوفاء.
وأما أنتم أيها النشامى.. نحن فخورون بكم. وربّ السماء يجزيكم خير الجزاء.