يتبادر إلى ذهن المواطن قدر كبير من التساؤل عن ماهية مفهوم الولاء ومدلولاته, أو ما اصطلح عامة الشعب على تسميته بالموالاة, وحري بنا في هذا المقام لفت الإنتباه الى أن هناك ثمة لبس وخلط بين مفهوم الولاء والموالاة، فالكثير من الناس لا يميزون أو يفرقون بينهما، لذلك لا بد من أن نسترسل في سبر أغوار كل مصطلح على حدة, لتكوين صورة واضحة متكاملة عن هذا المفهوم المتشعب والمترامي الأبعاد, بدلاً من النظرة المبعثرة المجزأة, فالولاء يتضمن مفهوماً واسعاً وشاملاً, لذلك فمن الصعب أن تجد تعريفاً ثابتاُ أو محدداً يعبر بدقة عن كافة محتوياته, أو تفسيراً جامعاً ومفصلاً عن جوانبه المختلفة.
ومن المتعارف عليه في قواميس اللغة وأدبيات الفكر السياسي المعاصر, أن الولاء هو الإخلاص والوفاء والتأييد والنصرة لكافة القضايا الوطنية التي تعنى بالشأن العام, وقد يكون هذا الولاء طوعياً وعن قناعة تامة دون شرط أو قيد, ولا يمكن في حال من الأحوال إجبار أحداً عليه, ذلك أن المواطن لا يستطيع من تلقاء نفسه تحقيق طموحاته إلا من خلال المشاركة الفاعلة في شؤون الدولة المدنية وبمختلف مفاصلها، ويتحقق الولاء بالممارسة والسلوك الواعي والمنضبط، والذي يوضح مدى مشاعر المواطن من الإعتزاز والإنتماء لوطنه وهويته, وربما قد لا يكون من المغالاة القول أن الأمر قد يصل في بعض الأحيان إلى حد قبول المواطن طوعاً بالتضحية بنفسه في سبيل خدمة وطنه وحماية سيادته وكرامته.
أما مفهوم الموالاة فهو خيار سياسي يستند الى موقف الشخص أو الحزب من القضايا العامة, وإسناد السلطة التنفيذية في السياسات التي تتبناها, والقرارات التي تتخذها والتشريعات التي تقترحها ودعمها في البرلمان والرأي العام، والموالاة – أيضاً – ظاهرة سياسية تنشأ عن التوافق أو الوفاق أو الشراكة, وهي حالة متغيرة في الأنظمة البرلمانية, وعراك ديمقراطي يتغير ويتبدل وفقاً لمعطيات العلاقة أوعوار قد يصيب هذا التوافق, ويأتي غالباً حينما تتبدل الأغلبية البرلمانية, أو في حال أن تم فض الشراكة مع الحكومة على أسس سياسية أو برامجية.
ويبدو أن ثمة خلط غير مبرر تمارسه النخب السياسية, وذلك في تحديد مفهوم الموالاة للحكومة كمفهوم سياسي وربطه غالباً بالولاء لمؤسسة العرش, فالموالاة للسلطة التنفيذية عقد سياسي تبرمه الأحزاب وأطراف العملية السياسية في البرلمان, وتحدد التزاماته ومضامينه الرؤى المشتركة للقضايا العامة, في حين أن الولاء خياراً فطرياً أخلاقياً والتزاماً سياسياً يتجاوز الرؤى السياسية ولا يقبل الإجتهاد أو التأويل, وتقرره أحكام الدستور ولزومها على كافة الأردنيين في المعارضة والموالاة على حد سواء, ولا يمكن أن يكون الولاء إلا لجلالة الملك وذلك بإعتباره رأس الدولة وحامي الدستور, وإن مناط المعارضة والموالاة خارج سياق الولاء لا تجد أساسها الأخلاقي والسياسي والدستوري إلا في طبيعة العلاقة مع الحكومة فقط, والتي أخضعها الدستور لكافة أوجه الرقابة والمحاسبة السياسية والجزائية ووفق المعايير الدولية في هذا الشأن.
وحين ننظر إلى غياب العمل البرلماني الحزبي البرامجي, والذي يحدد البوصلة الفعلية للسلوك السياسي حتى الاّن, فإن النخب السياسية التي مارست أدواراً في الحكم وعلى الأخص في المواقع السياسية التي أسهمت السلطة التنفيذية في إستدعائهم إليها ينبغي عليها أن تنسجم مع أدبيات تلك الخيارات, وأن تمارس أدواراً وطنية تليق وتتلائم معها، وترسخ مفهوم الموالاة الحقيقية بتجلياتها السياسية والوطنية داخل تلك المواقع أو خارجها على حد سواء, ومغادرة مساحات العدمية والسلبية التي لا تليق بها.
رزانة سلوك النخب السياسية ونضجها وإدراكها لحدود وضوابط وتوقيت أساليب النقد متطلب سابق للإصلاح السياسي المنشود, وشرط مهم للولوج إلى مصاف الدولة المدنية العصرية الحديثة, والموقع العام يحتم مسؤولية وطنية على شاغله حتى بعد مغادرته ذلك الموقع تكريساً للثقة العامة بهذا المسؤول أو ذاك, سيما وأن فكرة الحياد السلبي او الإنقلاب على مفهوم المسؤولية العامة تشوه الثقة بأخلاقيات السلوك السياسي الرصين.
لا يروق لي المشهد العام في المواقف المفصلية المتعلقة بالشأن الوطني, ولا أحبذ فكرة الحرية المطلقة في توصيف المشهد السياسي, ولا يليق بالساسة المحترفين أساليب الوقيعة والنميمة السياسية، وإن السياسي الذي يغادر الرصانة وضوابط المسؤولية الوطنية يشكل عبئاً على رفعة المؤسسات وحوكمتها, ويعيد إلى الأذهان مخاطر السطحية المؤسسية ومنافذ الأنانية الشخصية والنرجسية المقيتة في تقدير مصالح الوطن العليا التي لا يجوز المساس بها بأي شكل من الأشكال.
في ظني أن المرحلة القادمة ستلفظ كل هذه المظاهر الهدامة ولو بشكل تدريجي حتى ترتقي إلى مستوى التحديات الوطنية, ورؤى جلالة الملك عبدالله الثاني في التحديث والتطوير للوصول إلى مرحلة تشكيل الحكومات البرلمانية البرامجية, والتي تغادر مساحات الإجتهادات الشخصية والمصالح الضيقة إلى أفق الوطنية الرحب.