إنها الغطرسة.. فحينما تعمى القلوب التي في الصدور، ويصبح أعداء الكلمة الحقّ أسيادُ الموقف، فيضيع الحقّ الأبلج ويعلو الباطل اللجلج، ويتحول السلام إلى نزاع أهوج، يقدَّر فيه الظالم المستبدّ، وتنكفئ قدور المظلومين، الذين يُمسُون على أطلال بيوت شيّدوها بخيوط الفأل والأمل، وعلى خراب طريق العودة إلى زيتونة الأجداد، حيث للزيتون جذور يسقيها الأبناء من دماء الشهداء.
وفي فلسطين المحتلة، عشق بين الإنسان والأرض، وهناك خلف التلال تلال تغفو وتصحو على عهد العودة والتحرير والنصر، وعلى طريق العودة زيتونة لها جذور ممتدة، ألقت بظلالها على بطولة معهودة لدى فلسطين أم الأبطال.
ففي الحادي عشر من مايو للعام الأول بعد خروج العالم من نكبة كورونا، وما زال الشعب الفلسطيني يعيش نكبته، في ذلك اليوم أعلنت صليات رشاشات شرذمة من أعداء أنفسهم، حربًا على الإنسانية.. حربًا على البراءة.. حربا على الصورة والكلمة، حيث خاض الجنود الكواسر المدججين بالحقد والسلاح، خاضوا حربًا ضروسًا في وجه الصحفيين العزّل، فوقعت الصحفية التي قضت ربع قرن من الزمان تحمل على عاتقها همًّا إنسانيًّا، حيث عاشت مقيدة في وطنها، مضطهدة من المحتلين.
إنها الصحفية البطلة شيرين أبو عاقلة، التي احتضنت شجرة الزيتون، لعلّ القناص يفهم أنّ غصن الزيتون يصنع السلام في العالم، ولكنها شجرة بأكملها لم تقنع العدوان من إكمال المخطط، وإزهاق روح بريئة ليس لها ذنب سوى أنها تلتقط صورة على طريق مجنزرة تذهب لمجزرة، فجاءتها الرصاصة وهي تحتضن شجرة الزيتون.. ولا عجب إنه الاحتلال!!.
شيرين أبو عاقلة.. اليوم وقفت شعوب العالم تعلن عن مأساة أصابت كبد الحقّ والحقيقة، وأنّ السكوت عن مرارة الظلم هو ظلم بعينه، ومع أنّ الشعوب لايمكنها أن تحرّك مشاعر الاحتلال الصهيوني، تماما كما أنها لا يمكنها أن تعيد الروح لشيرين أبو عاقلة، ولكن الشعوب أعلنت أنّ الظلمَ طفح كيله، وثقل عناؤه، وازداد بلاؤه.
فأيّ ذنب اقترفته الصحفية شيرين، حتى يلحقونها بمواكب الوداع، ويتسجى جسدها على تراب وطنها ويمنعون عنها الإسعاف؟، والله لو كان حجرا لنطق، ولو كان ذئبا جائعا لرقّ قلبه، ولو كان نسرا جارحا ما جرح مشاعر الإنسانية، وما فتت فؤاد ذويها عليها. لكنه الاحتلال الذي بدأ بدير ياسين ومجزرة دير البقر، مما سمع الناس عنه من مجازر العصابات الصهيونية، وجاء اليوم الذي نرى فيه شيرين أبو عاقلة صورة حيّة، تجسد مأساة شعب غابت معاناته عن ناظريْ أحرار العالم.
واليوم وبعد خراب السمعة للواحة الديموقراطية في الشرق الأوسط. وهل يجدي نفعا أن تبقى الأمة مكتوفة الأيدي تنتظر خيبة الأمل للواحد تلو الآخر؟ وهل نسي الناس سلسلة طويلة من الأبرياء منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا من أبناء هذا الوطن؟. أم هل ما زال الأقصى المبارك في عيون البعض لا يساوي سوى الحجارة والطين؟ أما أننا في وداع شيرين سنتذكر آلاف الأحداث التي تكلمت عنها ونقلتها إلينا شيرين مع زملائها من صحفيي العالم.. لنتذكر أن هناك خلف الحدود مأساة تنتظر الحرية في زمن الحريات؟.
أسئلة نتوقف عن الإجابة عنها لنقول: وداعا شيرين.. فقد رحلتِ وبقيت شجرة الزيتون لتذكرنا بالأبطال.. هكذا هم الأبطال.