لعلّ الحديث عن تجربة شخصية تتحوّل إلى نمطٍ وسلوكٍ مجتمعيّ ينبغي التطرق إليه، وذلك حينما تكون التجربة متكررة زمانا ومكانا، مما يعني أنّ أناسًا كثيرين حصل معهم نفس التجربة، مما يعني –أيضًا- أنها ذات أبعاد دينية ووطنية وإنسانية.
ففي منتصف شهر رمضان المبارك، وفي منتصف الطريق بين عمان والعقبة، أوقفتنا دورية مرور أول دخولنا منطقة الكرك من جهة الأغوار الجنوبية، وكان ذلك قبيل أذان المغرب، فبعد ترحابهم بنا، قالوا إنّ هناك وجبات إفطار يقدمونها في تلك الساعة، فإن تكرّمتم إما أن تنزلوا وتتناولوا معنا الإفطار أو أن تأخذوا وجباتكم على الطريق.
ما أجمله من طريق!!. ونحن نلتقي ثلّة من رجال أمننا يقدمون الوجبات للمسافرين. وفعلا ترجلنا من السيارة وأخذنا نصيبنا من الوجبات، وعدنا عليهم بالشكر الجزيل والدعاء لله تعالى أن يجزيهم خير الجزاء على هذه اللفتة الكريمة وشكرنا الضابط وزملاءه الكرام.. وانطلقنا راشدين.
وما أن لبثنا سويعة وعلى بُعد عشرين كيلومترا على مدخل منطقة غور الصافي، وإذا بمبادرة: فِطرة أخي، تستقبلنا بالماء والتمر والعصير، وأصروا علينا بأخذها كما هو حال من قبلنا ومن هم بعدنا، فشكرناهم على حسن رعايتهم لطريق المسافرين وقت الإفطار للصائمين، ودعونا اللهَ لهم بالحسنات ووافر النّعمة.
وصلنا إلى مسجد شركة البوتاس، وهو تحفة معمارية وبيئة إيمانية فريدة، والتقينا إمام المسجد الذي قدّم لنا التمر والماء إلا أننا شكرنا لأننا كنا قد أفطرنا، وصلينا المغرب والعشاء جمعا وقصرًا، وانطلقنا في سفرنا وعلى باب المدخل للمدينة السكنية، أوقفونا شركة البوتاس لتقديم وجبة فاخرة من الإفطار، وأخذناها لأصحاب النصيب في طريقنا.
ووصلنا إلى الكرك، تلك المدينة التي اشتهر أعلاها بالكرم وحسن الضيافة، فأبوا إلا أن يضيفوننا، وجلسنا هنيهة وعدنا إلى عمان العاصمة، ونحن ندعو الله أن يعصمها وأردننا العزيز من أيّ أذًى أو مكروه.
إنها رحلة على الطريق، ولكنّها ختمت بالخير مفهوم الوطن، ومعاني الأخوة الإسلامية والوطنية والإنسانية، فالذين يمرون على الطريق يتناولون ضيافتهم دون السؤال عن عرق أو دين أو لون، في صورة تعبر عن أصالة هذا الوطن المعطاء.
نعم.. إنّ المبادرات الإنسانية في أردننا محلّ فخر واعتزاز، وهذا التنافس عبر شرائح المجتمع من عسكريين ومدنيين ومستثمرين، وغيرهم، يعطينا صورة تجسّد فينا أجمل باقات الألفة والمودة، وتصنع سلسلة من ماء العيون التي لا ترفّ وهي تسهر على أمن وأمان وراحة وطمأنينة هذا الوطن، كما أنها تحقق أسمى معاني الأمل والفأل في أننا نصنع الإنسان الذي يؤمن بواجبه، ليبقى على خطّ مفتوح مع نبض الوطن وهموم المواطن.
إنّ الأمر يتعدّى أن يكون وجبة طعام، أو حبات تمرٍ، إنه يصل بنا إلى مواقف لا تتكرر إلا في وطن الخير في بلد الخير.. أردننا بخير، رغم التحديات، ما دام أننا على الطريق الخارجيّ في أمن وأمان، وفي الطريق الداخليّ علم نافع وعمل دؤوب وثمرات لا تنقطع.