إنما تقاسُ الأمم ما بقيت، بمظهرها السلوكيّ وتماسكها وانضباطها، فمسيرة النجاح لا تراهن إلا على ضبط معايير الجودة من حيث: الحفاظ على الوقت، واحترام حقوق الآخرين، وبناء الوازع الداخليّ بمراعاة القانون الخاصّ والعُرف العام، وتقديم المصلحة العامة على حظوظ النفس غير المجدية.. وفي مجتمعنا الإسلاميّ والعربيّ، كلّ الذي ورد آنفا تضبطه الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، فضلا عن القانون المدني الذي يضبط التقيّدات، ويمنع التجاوزات.
ويأتينا السؤال: لماذا ترسخت قناعات لدينا أننا غير منضبطين؟.
فالجواب: لسان حالنا يقول:
لا تعجبون إذا سمعتم عن شبابنا وهم يتحمسون في قيادة السيارات لدرجة أنّ قيادة السيارة بين أكبر مدينتين في الأردنّ تحوّل إلى رالي يوميّ، نتسابق فيه ذهابا وإيابا، وبما أنّ قدراتنا خارقة ومواصفات السيارات التي يمتلكها الكثيرون منا ذات مواصفات ذاتية القيادة فإننا نستغلّ ساعات الازدحام بالمكالمات الهاتفية التي لا تخلو لنا إلا أثناء القيادة,
ولا تعجب القيادة على الطرق الخارجية، فهي أيضًا خارج النّصّ، ويحاول البعض منا أن يسابق الزمن، وأن يثبت النسبية الأينشتاينية على حساب الراحة والأمان الذي ننساه كثيرا، ولا نتذكره إلا في أماكن نتمنى عدم دخولها: المحمكة والمستشفى.
ولا نعجب جميعا، إذا علمنا أنّ بعض الدول العربية أفادت من القانون الأردنيّ وتشريعاته وتعديلاته، وأنها سبقتنا كثيرا بتطبيق تلك القوانين، فقبل شهر من الآن شاب أردنيّ يذهب للعمل في تلك البلد الشقيق، ومن أول يوم يسجل عليه مخالفة سير بقيمة: (80 دينار أردنيا فقط) والمخالفة لأنه لم يعطِ غمّازا يمينا حين دخوله شارعا فرعيّا.. فهو لم يتسسب بحادث ولا بخلل ولا بتعطيل أحد ولا بتجاوز المسرب ولا بمضايقة أحد، سوى أنه كان في الشارع وجده وأراد أن يأخذ إلى اليمين ولم يعطِ غمّازا.. الشابّ الأردنيّ أقسم يمينا أن يكون متقيدا بقواعد السير بعد تلك المخالفة.
وإنني أتساءل كما هو حال الكثيرين في الأردنّ: إلى متى التجاوزات والإزعاجات والراليات والتجول في الأحياء السكنية بأصوات ممنوعة دوليّا وتخرق أدنى قواعد الخصوصية؟ إلى متى سيبقى الكثيرون من شبابنا ممن نفخر بهم وبأخلاقهم، يستخدمون نعمة السيارة لإرهاق الجيب والبدن والمجتمع، ويتعدى التجاوز إلى إزهاق الأنفس البريئة، معتمدين على التسامح بيننا؟. فإلى متى وقيادتنا للسيارة نستشعر أننا ننجز بناء البترا من جديد، أو أننا نخترق الفضاء إلى المريخ؟.
واجب علينا أن ننبه أبناءنا وأن نذكرهم بأمجاد الأجداد بالعلم والوعي والحلم، وأننا لا نسابق الريح، وأننا نستيقظ مبكرين، وننطلق لطلب الرزق، وأننا لا نسعجل القيادة قبل أوانها، وأنّ التدريب وأخذ الرخصة لا يعني أننا أصبحنا ماهرين وأننا نمتلك دواسة البنزين وعرض الطريق وطوله.
وفي الختام.. نقول:
إنّ الأمر يحتاج إلى تفكير وضبط النفْس مع كلّ نفَس، وترسيخ مفهوم الأمانة، بأنّ أرواحنا أمانة، وأنّ التقيد بقواعد السير يشكل منا منظومة سلوكية راقية نحن بحاجة إليها،
كما أنّ الانضاط، هو أمر ديني ووطني وإنسانيّ وبطوليّ، وأما عدم التقيد بقواعد السير فليس مما يُحمد عقباه، فالمتعة بالسياقة الرائقة والرائعة أسمى وأنبل من التعديات التي تؤول إلى التداعيات.