لا يقل الجهد الدبلوماسي أهمية عن الحراك الشعبي الرافض والمقاوم لإجراءات الاسرائيلية التعسفية بحق أهالي الشيخ جراح، والاعتداء على حرمة المقدسات الاسلامية في القدس طيلة شهر رمضان المبارك، ولاحقاً القصف العشوائي الهمجي على بيوت الآمنين في قطاع غزة، حيث لم تدخر المملكة جهداً إلا وبذلته وعلى كل المستويات ، لإستنهاض العواصم المؤثرة لوقف هذه الاعتداءات ضد المقدسيين والسكان العُزّل.

أهمية الحراك الدبلوماسي السريع للمسؤولين الاردنيين تكمن في إعادة وضع الأمور في نصابها القانوني والشرعي الصحيح، بعد أن حاولت إسرائيل طوال الفترة الماضية ، إنكار وجود الشعب الفلسطيني ومحاولة طمسه عن الخارطة، وقد شجعها على ذلك ، إعتراف الادارة الامريكية السابقة في عهد ترمب بـ"القدس الموحدةط عاصمة للكيان المحتل، وضم الجولان، ومحاولة الاستيلاء على جزء كبير من اراضي غور الاردن، والتي نجح الاردن في وقف الضم بعد أن إعتُبر الامر إعتداء وبمثابة إعلان حرب ضده، كون هذه المنطقة محتلة منذ عام 1967، ولا يحق للإسرائيلي ضمها أو التصرف حيالها كونها أراضٍ محتلة.

صحيح أن المزاج الشعبي الاردني الغاضب ضد الاعتداءات الاسرائيلية، يدعو لإتخاذ إجراءات قوية ورادعة ضد اسرائيل، لا تبدأ بقطع العلاقات الدبلوماسية، ولا تنتهي بطرد السفير، لكن المؤكد أن الاردن الرسمي معني أكثر بقيادة جهود ضاغطة من أجل وقف الاعتداءات المتكررة على الفلسطينيين في القدس، فإطفاء الحرائق بالمنطقة أصبح حاجة ومصلحة للأردن في آن ، وقد أثبتت التجارب السابقة أن التدخل الاردني والذي يأتي غالباً بدعوات فلسطينية شعبية ورسمية ، منتج أكثر فيما يخص الوضع على الارض، فالاردن دولة مؤثرة ويستطيع توظيف علاقاته وتأثيره ووزنه الدبلوماسي لدى الاوساط والعواصم الفاعلة على صعيد صنع القرار في المنطقة.

من هذا المنطلق، فإن ما يحتاجه الفلسطينيون الآن إيصال صوتهم للعالم ونقل معاناتهم بعد نحو 70 عاماً من تضليل الرأي العام العالمي من قبل إسرائيل وماكنتها الاعلامية ، ففي مثل هذه الحالة لا يجدِ مع الإحتلال سوى خلق رأي عام دولي ضاغط يجبرها على وقف غطرستها وإعتداءاتها، خصوصاً وأنها تعرف أن ما يجري في المنطقة من صراعات وغياب التوازن العسكري معها وعدم الإكتراث بما يجري في فلسطين، يشجعها على الاعتداء على شعب أعزل ومصادرة أراضيه وبيوته في وضح النهار دون رادع أو مساءلة.

حتى عندما تحرك الاردن من أجل توثيق ملكية اهالي الشيخ جراح لمنازلهم امام المحاكم الاسرائيلية، لإسناد الشقيق الفلسطيني، وحفاظاً على الشرعية في الحي المقدسي، وجه مذكرة لوزارة الخارجية الاسرئيلية ترفض هذه الاجراءات، وتدعوها لاحترام أحكام القانون الدولي حول القضية، واحترام حق الاهالي في منازلهم التي سكنوها بعد توقيع إتفاقيات بينهم وبين الحكومة الاردنية عام 1956 ، وهو حق مستمر وساري المفعول في ظل وقوع سلطة الاحتلال ، فلا يحق لإسرائيل تهجير السكان الآمنين، وهو يعد إنتهاكاً صارخا للقانون الدولي الانساني.

عدا عن ذلك كان التحرك الاردني لدى الادارة الامريكية عندما تم توضيح الموقف الاردني الثابت والداعم للحق الفلسطيني وتحميل اسرائيل ،القوة القائمة بالاحتلال، المسؤولية الكاملة حيال الاعتداءات الفجة على الشعب الفلسطيني، كما أظهر التحرك التطور الايجابي الذي أبدته الادارة الامريكية الحالية ، وأهمية الدور الذي من الممكن أن تلعبه واشنطن في الوصول لحل عادل مستند للشرعية الدولية للقضية الفلسطينية من خلال الدفع لحل الدولتين ، وقيام الدولة الفلسطينية على الارض الفلسطينية على خطوط الرابع من حزيران ٦٧ وعاصمتها القدس المحتلة.

عموماً، لن تكون هذه الازمة الاخيرة ولا الأولى ، طالما بقي الاحتلال قائم، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة والتاريخية، ويؤمل أن لا تأخذ إسرائيل وقتاً أطول من أجل إدارك هذه الحقيقة ، فلا يمكن للغة القوة أن تطغى على لغة الحق، خصوصاً وأن نيران الحرب المفتعلة بدأت تحرق أصابع صانعيها، وعلى الدول صاحبة القرار في العالم التدخل والضغط من أجل إيجاد الحل المنشود، بأسرع وقت، وهذه مسؤولية المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية المعنية بالامن والسلام وحقوق الانسان حول العالم.