بأحر المشاعر الأخوية والإنسانية والوطنية توجه الأردنيون إلى الأهل في مدينة السلط بعد الخبر بارتقاء الأرواح الطاهرة إلى جنات الخلد بعد خطأ طبي لم نعهده في أردن الكرامة من قبل، وإن التعازي هي أقل الواجب حين المصاب الجلل، إلا أننا نبتهل بالدعاء أن يجعل الموتى في عليين «في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر» وأن يلهم ذويهم الصبر والسلوان وأن يعظم لهم الأجر والمثوبة.
ومع أن الفراق محتوم علينا جميعا في هذه الدنيا، إلا أنه يصعب حين الفجاءة به، ويصعب أكثر حينما يكون تقصير في حق إنسان يرقد على سرير الشفاء ينتظر لحظةً يكتب الله له فيها الشفاء لينال ما قدره الله له من الحياة الدنيوية.
وبعد الحادثة التي كان سببها نقص الأوكسيجين في مستشفى السلط الحكومي، وهو خطأ طبي سيقدر تبعاته القانونية المختصون ممن باشروا التحقيقات فور انتشار الخبر، وجميع الأردنيين عندهم الثقة العالية بنزاهة القضاء، وأنه سيقف على الحكم الصحيح بعد تجلية الأمور، ومعرفة المتسبب الحقيقي لينال ما يستحقه من عقوبة.
ومع ارتقاء الأرواح الطاهرة إلى بارئها، وقفت الأردن اهتماماً وإجلالاً لهذا الموقف، وترددت الأقوال بعدد المتوفين، وأصبح أصحاب الشائعات يملأون الدنيا بشائعاتهم الشائنة ولا يراعون مشاعر أهالي المتوفين، وأهالي المصابين الذي يرقدون على أسرة الشفاء، ويظنّ البعض أنّ سعادته الغامرة حينما يرى الناس يضطربون ويحزنون، وما أظن أن الذين يسعدون على أحزان الناس أنهم من الناس، بل هم أدنى مرتبة من وحوش البراري.
وفي لحظة تستلزم منا أن نقف بمعنوياتنا ومشاعرنا مع أهلنا وذوينا في السلط، وأنهم بحاجة إلى من يخفف عنهم المأساة، جاءت زيارة الملك المفدى إلى مستشفى السلط ليقف مباشرة على جزئيات الحدث، فيخفف عناء المصابين بفقد ذويهم، ويؤكد جلالته على قربه من الوطن وأبناء الوطن في أدق التفاصيل للأحداث، وأنه أب وأخ للجميع، وأن مصاب الأردنيين مصابه.
لقد كانت زيارة الملك حاسمة وقاطعة لكلّ من يريد أن يعيث في الأرض فساداً، ومنعت الاصطياد في المياه العكرة ممن يفرحون برؤية حادثة وفاجعة تصيب الوطن، غير أن زيارة الملك أكدت سرعة التحقيق في الحادثة وأن النزاهة في أسمى معانيها ستكون حاضرة مع مجريات التحقيق، بل إنّ مشاعر الملك أعطت صورةً تؤكد عهد الهاشميين في التفاعل مع مشاعر الوطن وأبناء الوطن.
لقد تفاعل الوطن قائدا وحكومة وشعباً مع فاجعة السلط، مما يعني أننا يداً واحدة لنتجاوز المحن والإحن والمصائب التي تمر بنا، مع رضانا بقضاء الله وقدره، ومع تأكيد إحقاق الحق والنيل من كل إهمال واستخفاف بمقدرات الوطن والمواطن.
إن التحديات العظيمة التي تصيبنا كشعب عظيم، تشعرنا بضرورة الاهتمام بالواجب والحرص الأكيد على القيام به، والتكاتف يدا بيد لمواجهة المنزلقات، وعدم المساس بأمن الوطن والمواطن، وأننا على ثغرة من ثغور هذا الوطن فلا يؤتين من قِبل أحدنا.