لا تقف بنا الأيام وهي تسطر للتاريخ المواقف النبيلة، والمشاعر الأصيلة، التي تُشعرنا بأهمية التواصل مع الآخرين، وأن نكون منصفين لهم ليعود ذلك نفع للمجتمع بمختلف أطيافه، وتلك مهمّة يقدر عليها أولو العزيمة الاستثنائية من الرجال الأفذاذ، من قاداتنا وعلمائنا ورواد الفكر النيّر والكلمة الطيبة.
ونحن في الأردن نعايش أجواء تتجاذبنا بين الفينة والأخرى المواقف التي تعصف بالإقليم والعالم، غير أنّ تمركزنا خلف قيادة حكيمة رشيدة، تجعلنا قِبلة يهتدى بها للثبات في زمن التقلبات، ومنبع حديثنا عن الثبات يسوقنا إلى اعتصام القيادة بمبدإٍ إنساني ديني لا تنفكّ عنه، رغم المعضلات التي تواجه الأردن قيادة وشعباً: إنها الوصاية الهاشمية على المقدسات -بشقيها: الإسلامية والمسيحية-، ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أعطى العُهدة العمرية لنصارى بيت المقدس ومن بعده أبو عبيدة بن الجراح لمسيحيي دمشق، وأهل نينوى في العراق والأقباط في مصر، ليعرف العالم بأنّ الإسلام وئام ومحبة وسلام.
وفي لقاء جلالة الملك بالقائمين على المقدسات في مدينة القدس الأسبوع الماضي، كان ذلك دافعا قوياً لإحداث جذوة العزيمة في نفوسهم، فكانت كلمات مدير عام أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقـصى فضيلة الشيخ/ محمد عزام الخطيب «نخاطبكم من صخرة الله الشريفة، التي استعملكم الله عز وجل باسم أمة الإسلام، لرعايتها وترميمها.. ودوام صيانتها والمحافظة على كامل المسجد الأقصـى المبارك، منذ بداية هذه الوصاية عام 1917». ففي ذلك تأكيد من أهل المدينة المقدسة على أهمية تلك الوصاية التي تنعش رئة المصلين في محراب المسجد الأقصى.
كما أن كلمات بطريرك اللاتين في القدس «بيرباتيستا بتسابلا»، تقديرية في أسمى معانيها لجهود جلالة الملك عبدالله الثاني، لوقوفه معهم في محنة كورونا وإمدادهم بالمعنويات، حيث قال: «أنتم يا صاحب الجلالة وبصفتكم حارساً للمدينة المقدسة ستبقى دائماً ملجأ في الشدائد، وتسعى ونحن معكم، لإحقاق العدل والسلام ولجعل المدينة المقدسة مدينةً ذات طابعٍ روحي، تحمل للعالم أجمع التناغم والطمأنينة».
فها هي القدس تمرّ عليها الأعوام وهي تنتظر السلام، فهل يستيقظ العالم على إحلاله بين أهله؟. وهل ينتبه العالم إلى قيادة الأردنّ وحكمة مليكها وهو الأقرب إلى ميدان الفصل والوصل بين القدس والعالم، وهو الناصح الأمين ليتعرف العالم على إحداثيات الطريق السليم الذي يؤدي إلى السلم والسلامة؟. وهل نستقبل العام الجديد ونحن في غبطة وسرور وقد توقفت جائحة كورونا لنبدأ حياة مفعمة بالمودة والمحبة، بعيدا عن الإساءة لبعضنا البعض؟.
وإننا في الأردنّ نعيش منذ نشأة الحضارة، نستمدّ الإخاء بيننا بأصالة المكان وأصالة الإنسان، ونعبر الزمان في طمأنينة وسلام، فقد تعلمنا من الإسلام كثيراً: أنْ نعيش ببصمة حانية نتركها على جبين الوفاء للدين والوطن والإنسانية، فنزرع الابتسامة ليتذكرنا الأجيال من بعدنا، فيدعون لنا.