لا أجد غضاضة في القول بأننا نحن الأردنيين وعلى اختلاف اطيافنا، قادنا التذمر والشكوى وعلى مدى عقود خلت، إلى المساهمة السلبية الموجعة في تقزيم مؤسساتنا وسلطات دولتنا التي تم بناؤها على أمتداد مئة عام حتى الأن.
ينسى الكثيرون منا عند نقدهم وانتقادهم لسلطات الدولة، حتمية التفريق بين أن تنتقد ممارسات الأشخاص القائمين على هذه السلطات، وبين القيمة المعنوية لهذه السلطات التي تشكل هيكل الدولة، والتي بدونها لا يمكن القول بأن لنا دولة وكيانا.
وسط هذا الواقع المر، تراجعت القيمة المعنوية المتجذرة لسلطاتنا ولمؤسساتنا الرسمية كدولة ذات حضور ودور فاق حجمها وقدراتها على الصعد الإقليمية والدولية، لا بل وتجاوزت المرارة ذلك إلى حد انحسار ثقة الإنسان الأردني بالدولة بشكل ملحوظ، وعلى نحو يبدو المشهد معه، وكأننا نسعى إلى هدم دولتنا وسلطاتها ومؤسساتها بأيدينا نحن قبل عدونا.
الأصل في المعارضة الموضوعية ومصادر التذمر والشكوى، أن تذهب إلى انتقاد سياسات وقرارات القائمين على هذه السلطات وطرح البرامج البديلة لتلك السياسات والقرارات، مع الحرص على سلامة السلطات وقيمتها ودورها وأهمية وجودها.
قد تكون الدولة نفسها أسهمت هي الأخرى في فتح شهية بعض الطامحين لتولي المناصب لاختيار صف المعارضة غير المؤسسية أو الموضوعية كنافذة للوصول إلى الهدف، ولا شك في اننا نعرف حالات كثيرة سارت بها الأمور على هذا النحو، فكم من معارض طامح ولن اقول طامعا قد صار وزيرا أو عينا أو كرم بمنصب فانقلب وصار من أشد الموالين بين عشية وضحاها، وفي المقابل كم من موال انقلب هو الآخر إلى معارض شرس بمجرد أن ترجل عن صهوة المنصب.
ليس هذا موضوعنا في هذه العجالة، وإنما موضوعنا هو، هل نقاطع الانتخابات غدا ام نشارك..؟، وهنا لا بد من تقرير حقيقة أن من يهمه الحرص على بقاء الدولة وحضور سلطاتها ومؤسساتها، يجب أن يشارك وبقوة حتى لو كان معارضا لقانون الانتخاب ومشككا بسلامة الإجراءات مثلا، فالأصل هو السلطة والمؤسسة التي يجب أن لا تفقد قوتها وحضورها في ذهنية سائر الأردنيين، وليس الأشخاص الذين يمضون حتما في يوم ما.
صحيح أن المقاطعة تعبير عن موقف سياسي، وقد حدثت في الماضي البعيد والقريب، ولكن، ماذا أحدثت من فرق!، الجواب لا شيء يذكر.
من يريد الاصلاح حقا والتغيير نحو الأفضل حقا، يفترض أن يذهب إلى صندوق الاقتراع ويشارك برأيه، مفترضا أن صوته سيحدث فرقا، أما المقاطعة والتشكيك والاكتفاء بالتذمر وحب القعود، فيعني بوضوح التسليم بالأمر الواقع الذي يفترض أنه يريد تغييره نحو الأفضل.
المحاولة تلو المحاولة، أفضل مليون مرة من الاستسلام للشكوى والتذمر دون إبداء اي فعل، والأردن الذي نحب جميعا، يدعونا للمشاركة الفاعلة حفاظا على ديمومة سلطاتنا من ناحية، وتقديما للتفاؤل على التشاؤم من ناحية ثانية عل الله سبحانه يصلح حالنا ويفرج كربنا ويأخذ بأيدينا صوب مستقبل أفضل. هو سبحانه من وراء قصدي..