وإنّ الدول والمؤسسات بحاجة إلى ضبط أكبر للمعايير الشرائية، وإجراء الدراسات والإفادة من النظريات المعاصرة، في فهم العلاقة بين السلعة والمستهلك، لأنّ ما تقوم به المؤسسات يعطي الدرس العمليّ والتطبيقي، لتفعيل تلك المعايير في حياة الأفراد.
ثالثاً: ثقافة الاستهلاك: تختلف الشعوب في نظرتها لمسألة الإنفاق ما بين النقيضين -الشحّ والكرم- وتكمن الخطورة حينما يصبح الكثيرون داعمين لنظرية: «احتكار الشـراء» التي تناولتها الخبيرة الاقتصادية جوان روبنسون، ما بعد الأزمة الاقتصادية العالمية عام: 1933م. ومفادها أنّ واحداً من كبار التجار يحتكر شراء سلعة في السوق وهو الذي يحدد سعرها. ولأنّ العالم تغيّر وأصبحت الإعلانات التجارية تؤثر على العقل الجمعي للمجتمع، فإنني أنبه إلى خطورة نقل صفة الكرم إلى المعاملات التجارية أثناء شراء سلعة أو خدمة ما، مما قد يعتبر من البذخ لا من الكرم، فيؤدي إلى خسائر فادحة، ويتعطل المسار التجاريّ للدولة لكثرة الاستهلاك من غير حاجة إليه، وأعطي مثالا: الاهتمام بنوع السيارة وسنة الصنع، يدخلنا في البذخ ويكبدنا خسائر تراكمية ضمن مبدأ: «إذا كان دَيْنا اجعلْه رطلين». وذلك على الصعيدين: «الشخصي والمجتمعي». وللأسف دون الاهتمام بثقافة الاستهلاك نصبح محتكرين للشراء، لكن.. دونما تحديد لسعر السلعة من طرفنا، بل يفرضه علينا التاجر طواعية منا دون أن ندري.
رابعاً: الرغبة في التملك من غير دوافع حقيقية: قد ينتابنا الشعور بتملك أشياء، من غير دافع حقيقيّ لها، فلا هي من ثقافاتنا، ولا هي من الضرورات، وقد تكون من المحظورات شرعا وقانونا، وأحيانا يكون دافع التجربة فقط، وهو دافع وهميّ، ينبغي على المربّين -بشتى أصنافهم- التحذير من الانغماس وراء كلّ سراب، ولست بصدد الحديث عن المحرمات دوليا كالممنوعات، ولكنني سأنبه إلى ما تعرضّ إليه لويس تايسون في كتابه: «النظريات النقدية المعاصرة». حيث تكلم عن الأزياء التي تنتج عن معايير خارجية عن ذاتية الشخص، بحيث تحكمه تقليعات الملابس، ولا يلبث أن يتحول الرضا عن تلك السلعة إلى عدم الرضا عنها، مع رغبتنا لامتلاك الأحدث -بتصرف-.
خامساً: القيمة المفاجئة للسلعة: أظهرت العقود الأخيرة إهمالا بالغ الخطورة في التعامل مع معايير الجودة الشرائية، مما عاد بالخسائر الفادحة على الطبقتين: الكادحة والمخملية، على حدّ سواء، والسبب: عدم تقييم السلعة أو الخدمة بالذي تستحقّه، مما يؤدي إلى قيمة غير متوقعة، وأعطي لذلك مثالاً: «عدم الاهتمام بالوقت المستغلّ في شراء مادة معينة أو القيام بخدمة ما»، فحينما يتمّ إهدار وقت المستهلِك أو متلقي الخدمة، فذلك تدمير لمقدرات الإنسان والوطن، لأنّ الوقت الزائد يزيد من الكلفة الشرائية للمادة، أو الخدمة، فكثيرا ما يقول لك صاحب المنتج أو إصلاح أو تركيب سلعة معينة: «إنّ الوقت لإنهاء الخدمة كذا وكذا»، وتتفاجأ أن الوقت يتضاعف، مما يعني: قيمته معنوية أو نقدية مضافة. ويمسي متلقي الخدمة في خسارة فادحة فضلا عن خدمة سيئة. وبالمقابل ضبط الوقت يوفر الكثير من الجهد والمال ويزيد مكاسبنا على المدى البعيد خصوصا عند مهن المياومة، ولا يعرّضنا لوضع اقتصادي وحالة إرباك في وقت الحظر.. فهل نتعلم الدرس؟.