الدرس الوطني الجميل، الذي لا ننساه أبدًا، هو الذي يجسد القول بالعمل، فيصبح المعلمُ والمرشد والأب الحاني والمواطن الصالح قدوة تسطر أَفعاله أقواله، ويغدو الوطن صفًّا واحدًا متراصا لا تشوبه شائبة، ولا يهدم أركانه العواصف، كما في قوله تعالى في سورة الصّفّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3).
وفي المقابل.. تتقطع الأوصال وينهار البناء وتتعطل المصالح، وتخيم خيبة الآمال، كلَّما بدت الأنانية على مصلحة الوطن. وهنا يأتي الدّورُ الحاسم للقانون ليضيئ لنا الطريق ويحدد المسارب، ويمنع العشوائية في التصرفات، ويحدّ من التجاوزات على سيادة الوطن لأنها سيادةٌ للمواطن، حتى لو ادعى أحدهم حبّه للمصلحة العامة، فلنتذكر: أن الأمور بمآلاتها، وإطلاق الكلام على عواهنه يدمّر ولا يعمّر، فلنتحلى بالوعي ولنترك النظرة القاصرة ولْندرك الوطن فإنه بحاجة إلينا جميعا.
ففي خضمّ ما يعيشه العالَم من حالةٍ متشعّبة تتجاذبها أطراف عديدة، ينبري للأردن رجالات يحمون حماه ويدافعون عنه ويحرصون على المصلحة العامة في تجاوز المحنة، وتخطّي العقبات بأقل الخسائر التي لا تنفكّ عن ملازمة أيّ أزمة، فما بالنا بأزمة أخذت لبَّ الحكماء وعقولَ النبلاء.
ومما يندى له الجبين، أن يغرد أحدهم خارجَ السّرب، فيعلن أنّ الراتب والعلاوات والمكافآت كلها أولى أولوياته، فلو فقِر الوطن وافتقر، وذاب كمَدًا فلا يعني ذلك المتعجل سوى: الراتب والعلاوة والمكافأة «حتى لو ارتدت الكرة الأرضية كلها علينا». ويأتي ليعطينا دروسًا ثناياها: الوعيد والتهديد.. ويكأننا في باب الحارة.
وليس غريبا أن يُظهر أحدهم تعاطفَه مع شريحة ما، ولكن المستهجن أن ينساق المثقفون والذين تعلموا الدرس الجميل للوطن وحفظوا ألوانه، ونجمته السباعية التي تمثل فاتحة القرآن الكريم، وما تعلمناه من الإيثار والصبر والثبات. فعجبا.. وألف عجب، ممن ينسى الدرس الوطنيّ الأول: فداك يا وطني. ويتناسى أننا في دولة القانون، وأن منح الوظيفة بناء على قانون، وبدايتها ونهايتها وأولها وآخرها وعاقدها ومحلها هو القانون.
فيا معاشر النبلاء.. إن الانتماء المرتبط بالمال، هو إلى زوال. فلا ينبغي أن نزاود على محبة الوطن، ولكن أي جواب لسؤال غريب: هل ارتداد الكرة الأرضية على وطني أقل أهمية من نقصان فلس من الراتب؟. هذا السؤال يقف بنا أمام محنة عصيبة لا تقل عن محنة «كورونا». بل هما صنوان، فهما وباءان يدعوان إلى التباعد والتنافر، وإذا كان علاج كورونا بالعقار، فإن علاج «الارتداد» بالاعتذار للمواطن ولسيادة القانون التي نتمتع في ظله في وظيفة أو مهنة أو صنعة.
وعليه.. فإن ما يتعرّض له الوطن بين الفينة والأخرى من تُرّهات وتهجم من بعض أبنائه: يجرح ولا يداوي، ويمزّق ولا يرقع، ويُنقِصُنا ولا يَزيدُنا. فمَن كان همّه الصيت والأصوات، والسمعة والشهرة، فالباب واسع.. ولكن، ليس على حساب الوطن، ولا على حساب الأجيال التي لها حقّ في أن «نعلمها كيف نصنع من ظلام الليل شعلة»، وكيف نبني من جبيننا العرق» لأعرق وطنٍ في هذا العالم.
إنه الأردنّ التليد.. وأمام ارتداد الكرة الأرضية لا يبيد.