من الضروري جداً أن يتعلم الإنسان من تجاربه في الحياة، فذلك مكسب في حد ذاته، ويزداد الربح إذا تعلم الإنسان من تجارب الآخرين، حيث إنه سيتفادى الأخطاء التي وقعوا فيها مروراً بالنجاحات التي حققوها.
وفي زمن انتشار الوباء عالمياً، تبين أن العديد من الأمور التي تربط المجتمع كأسرة واحدة، أنها موجودة دونما العثور عليها أحياناً، أو إهمالها أحيانا أُخرى، لكنها موجودة بيننا وهي كنز لا يمكننا الاستغناء عنه، وقد ظهر في وقت الشدائد. وأي كنز أعظم من أن يكون الإنسان محباً لأخيه الإنسان، فلا يزاحمه ولا يباغضه ولا يعاديه، وفي حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم: (وكونوا عبادَ اللهِ إخوانًا).
إنها (المحبة الإنسانية) الكنز الثمين الذي ينشأ مع الفطرة الإنسانية، وهي لغة يفهمها أهل الأرض قاطبة، كما أنها وسيلة وغاية في آن واحد، ومصدر من مصادر الغنى والرزق، حينما تدفع المحبة الإنسان ليكون عوناً لأخيه الإنسان، دون من من أَحد على أَحد، ودون تحسس مفرط.
إننا في زمن الوباء.. تباعد الأجساد مطلوب، وتقارب القلوب مرغوب، وقد قال حكيم العرب: أَكثَمُ بن صَيفيٍّ لبنيه: يا بني، تقاربوا في المودة. وحتى نحقق تلك المودّة ينبغي أنْ نجسّدها في التواصل بيننا بما يقدر عليه أحدنا.
فعن أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشْنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: (كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا تَفَرَّقوا فِي الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي الشِّعَابِ والأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلَمْ يَنْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلاً إِلاّ انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ). ومع الاحتياطات اللازمة في شؤون الخصوصية، ومن ذلك ترك مسافة لما نحن فيه في هذا الزمن من انتشار الوباء.
فالاتحاد والتآلف والتقارب والتضامن والتآزر، انعكاسات المودة الإنسانية، التي من صورها زمن الوباء، تسابق الشعوب إلى تحقيق أسمى معاني المودة، فالبلاد التي أُصيبت أولاً قدموا لها المعونة، دون الالتفات إلى أن الوباء قادم إليهم، فاستباق المودة بين الدول ظهر لأول مرة في تاريخ الإنسانية. وهو أمر سيعقبه الخير العميم بين الأمم، لقول الشاعر:
ما ودني أحد إلا بذلت له... صفو المودة مني آخر الأبد.
هكذا ينبغي أن يصبح مفهوم المودة بين الأمم والدول والشعوب والأفراد. إلا أن تلك المودة تتبدد أمام الأفكار الشاذة والدعوات غير المستقيمة التي هي وباء أشد من كورونا نفسها، مثل الذين ينادون بالاستحواذ على الصدارة في كل شيء ولو كان على حساب أمن الأمم ومقدراتها.
ومن نَفيس بطون الحكمة، ما قاله أرسطو: (أعتقد وأقول: أَنَّ قَدرَ المودة وخَطرَها عندي أعظمُ من جميع ذهب كنوز قارون ومن ذخائر الملوك ومن جميع ما يتنافس فيه أهل الأرض، من الجواهر وما تحويه الدنيا براً وبحراً ما يتقلبون فيه من سائر الأمتعة والأثاث. ولا يعدل جميع ذلك ما اخترته لنفسي من فضيلة المودة. وذلك أَن جميع ما أحصيته لا ينفع صاحبه إذا حلت به لوعة مصيبة في صديقه).