من المسلّمات بأنّ أيَّ مشروعٍ استثماريّ يبدأ من الفكرة، التي تتجسد في إقناع الآخرين بجدوى تحقيقه، وتحويل أي مشروع إلى أرض الواقع يشكل النمط الحضاري للأمم، فلا بدّ أن يكون ضمن إطار أخلاقيات المهنة التي ينطلق منها ذلك المشروع.
ووما يؤرق مضاجع المستثمرين العزوف عن العمل والبعد عن المصداقية في الأداء الوظيفي، وعدم وجود التسهيلات للمجازفة في الاستثمار هنا أو هناك. مما يؤكد أهمية ما تتطلع إليه وزارة العمل مؤخرا في مكافحة البطالة التي يشكّل العديد منا جزءا من المشكلة فيما تنغرس فينا ثقافات تتطلب وقفة وطنية ومتابعة حثيثة من المسؤولين.
ولعل ما قاله وزير المالية الدكتور محمد العسعس: (أن الأردن ماضٍ في تنفيذ الاصلاحات التي من شأنها دعم التشغيل ومكافحة البطالة، والتزامه بتنفيذ هذه الرؤية في إطار مصفوفة الإصلاح والنمو لخمس سنوات). ومن الواقعية التي ينبغي أن نعيشها أنّ الأردنّ بمضيّه نحو تنفيذ الإصلاحات المنشودة ومكافحة البطالة كلنا معنيٌّ بذلك، وهنا يجدر بنا أن نتساءل، وقبل كلّ شيء:
هل يوجد الإنسان الذي يمتلك الرؤية والثقافة التي تمكّنه ليكون الساعد التي تبني بكدّ وتعب؟ وهل النظرة غير اللائقة إلى المهن الحرفية والمساندة أصبحت ظاهرةً لدرجة أن يتخلى البلديّ عن تلك الحرف والمهن ويتقلدها الوافد براتب يفوق كثير من الوظائف والمهن ذات الطابع الحضاريّ؟، وهل أصابَنا فقدان ثقافة العمل التي تنبني على حبّ العمل وما تيسر منه دون الحرمان من الارتقاء إلى أعلى منه في سلّم المهنة والوظيفة؟.
وللأجابة على هذه الأسئلة وغيرها، لا بدّ أن نستشعر الوطنَ والمواطِنَ الذي نحن ننتمي إلى الأول ونفخر به، وأننا من المواطنين.. نعم، لكننا نتباين في درجة المواطنة، التي تتزايد فينا كلما كان هناك اهتمام لمشكلات الوطن والتجرد عن حبّ الذات والوصول إلى إيثار الآخرين والاهتمام بالشأن العام، وكفّ الأذى بالقول والفعل عن الآخرين، بله.. والإحسان إليهم، لأنّ الإحسان إلى الآخرين إحسان للذات، وهذه الثقافة تتبيّن في الوظيفة والمهنة والحرفة، لأننا لا ننفك نحتاج الثلاثة يوما بيوم ولا نستغني عنها أبدًا في حياتنا المعاصرة.
ولا يزال التيار الجارف الذي يأخذنا إلى جني الشوك من الخسائر المتكررة جراء توارث ثقافات قد لا تناسبنا في زمان دون زمان أو مكان دون مكان، ولا تزال التقنيات الحديثة تقلل من أدائنا الوظيفي والمهني بأخذ وقتٍ وافر منا على حساب الاتقان والأمانة.
وحتى نكون مع وزارة العمل التي تعمل على إدارة العديد من شؤون حياتنا الوطنية وترفع من مكانة العامل وتعزيز كفاءته لتعزيز مكانته الإقليمية والعالمية، فلنكن مع كلمات الوزير العسعس: (أن تركيز الأولويات للمرحلة الحالية والقادمة، سيكون على التحول الاقتصادي نحو تعزيز دور القطاع الخاصّ والنُّموّ وخلق فُرصِ العمل).