على منبر الهدى نبدأ بالحمد لله رب العالمين وبالصلاة على المبعوث رحمة للعالمين، في ساعة لا يردُّ داخلٌ إلى المسجد الجامع، فما بين تائب وطائع، تمتلئ المساجد بالقارئ والسامع والراكع والساجد.. إنها مساجدنا التي تجمع أمتنا لنقول للعالمين:إننا أمة السلام والعلم والواقع والبناء والألفة والمودة، نجتمع بعيدا عن همومنا لعلّ اللهَ يفرّج عنا همومنا، ندعو لأنقسنا وللعالَم قاطبة، بالأمن والأمان، ونختم بالدعاء لولاة الأمر لأنهم أسباب الأمن والأمان، وفي الختام الصلاة على النبيّ العربيّ الهاشميّ الأمين، من دعانا إلى الهدى والنور.
خطبة الجمعة.. في الأردنّ لها ميزة ونكهة قلَّما توجد في بلاد العالم، فهنا انطلاقة الثقة بالخطباء على المنابر، وهم يتناولون عنوانا واحدا لخطبة الجمعة يكيفونه حسب قدراتهم وخبراتهم وأحوال مناطقهم، ضمن محاور مقترحة للخطبة الموحدة، فيصبح الخطباء متعاونين على البرّ والتقوى، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، فيقبلُ الناس بقلوبهم وآذانهم.
وفي شهر تشرين، أطلّت علينا وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية بأربعة عناوين متميزة تستحق منا إلقاء الضوء عليها والتذكير بها، وتقديم الشكر عليها تعزيزا لهذه الاختيارات ذات الواقعية الأكثر تفاعلا مع النسَق في تصويب مسارات السلوك والوعي لدى المستمعين، إضافة إلى ما تحمل طياتها من استدلال بالنصوص الشرعية والآراء الفقهية والتربوية وغير ذلك.
فجاءت عناوين الخطب المنبرية على اتساق ممتع وفي تطوّرٍ منشود، وفيها مضامين ذات عمق وأثر إيجابيّ بالغ، وبيانها على الآتي:
الخطبة الأولى: (دور الأُسرة في حماية المجتمع): التذكير بدور الأسرة بين الفينة والأخرى ينقلنا من المهم إلى الأهم، فكثير من الناس مَن يحاول إصلاحَ المجتمع، فيكثر من القول والعمل، وبعضُ الناسِ ينتابهم الفضول بالتعرّض لقضايا تتجاوز اهتماماتهم، وفي ذلك كلّه يتمّ نقصان الاهتمام بإصلاح الأسرة التي تخرّج الأجيال صالحة مصلحة، في دور مناط بها، إذا تجاوزناه إلى غيره، أعوزنا الرجوعُ إليه لإصلاحه فيؤدي دوره كما ينبغي.
الخطبة الثانية: (حُسن الظنّ بالناس: قيمة اجتماعية وخلق رفيع): أحيانا كثيرة نأخذ راحتنا وأريحيّتنا بالحديث عن الصغير والكبير والوزير والغفير والغنيّ والفقير، دونما مبلاة بمشاعر الآخرين وأنهم جميعا لهم أحاسيسَ إنسانية، وننهال بالتقذيع والتجريح بمجرد سوء فهم ينبني عليه آراءُ المغرضين أو المتعجلين، وننسى أنّ الذي نتكلم به هو في موازيننا:إما في الحسنات وإما غير ذلك، وهذه الخطبة تناولت القضايا المستجدة دون تجريح بأحد، حتى أولئك الذين جرّحوا بالآخرين.
الخطبة الثالثة: (الحرية في الإسلام: مفهومها وضوابطها): قد يتصرف الكثيرون بناء على مبدأ الحريات الشخصية، فيطلقون العنانَ لألسنتهم ويخوضون في أعراض الناس دونما مبلاة بالعواقب النفسية والمادية والجسدية، وهذه الخطبة نحتاجها لعام من الزمان لتتكوّن عندنا ثقافة الحرية بضوابطها الشرعية.
الخطبة الرابعة: (حُرمة إيذاءِ الآخرين بتتبع عوراتهم وانتهاك خصوصياته): من خلال العالم الذي نعيشه، هناك العديد من الطرق والوسائل لمعرفة خبايا الآخرين وأسرارهم، وتكمن الخطورة القصوى في معرفتها ثمّ إذاعتها على الملأ، وهنا تتشكل الإشاعة وتتدحرج مثل كرة الثلج وتكبر في أعين الناس وهي صغيرة، فيرون عيوبَ الآخرين كجِذع النخلة وقد تكون العيوب كالقذى، أي: كشعرة في إناء الماء، ويتحول المجتمع إلى حَيصَ بيْصَ، همّه الأخبار الزائفة.
نشكر وزارة الأوقاف على إطلالتها في خطبٍ منبرية بعناوين ذات بهجة، وواقعية وأثر عميق يسدد ويقارب.