حينما يجتمع قادة العالم في زمان ومكان واحد، فذلك مؤشرٌ إلى تفتيت العقبات وتذليل الصعاب وتهميش الخلافات، ومحاولة جادّة، للسلام العالمي الذي يؤسس إلى نموّ الاقتصاد، والعمل على بيئة نظيفة من كلّ المكدرات والمنغصات، وإلغاء سجلات الفقر كما حدث زمن الخليفة الأمويّ عمر بن عبدالعزيز. هكذا ينبغي أن تكون تحقيقا لآمال الشعوب وتطلعاتها.
ويظهر جليًّا للعالم أن من بين قادَتِهم، قادة ينتظرهم الناس ليسمعوا خطاباتهم، لما فيها من أبعادٍ ومحاورة لقضايا العالم.
ويعتبر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، واحدًا من أولئك القادة ومن أبرزهم، وهذا فضل الله يؤتيه مَن يشاء، وليس هو رأي الأردنيين الذين تشـرئبُّ أعناقُهم، مراقبين مستمعين إلى قائدهم وهو يناقش واقعَهم ويطرح همومَهم ويعالج القضايا الإقليمية.
وجاء فحوى الخطاب السامي، كما هو متوقّعٌ من جلالته، خطابٌ فوق العادة، يحملُ ثناياه، معاييرَ النَّجاح في إتمام قضايا أممية على وجه يتحتّم المصير إليه، كما إنّه اشتمل على العديد من المحاور التي تتطلّب منا قراءتها بعمق ودراستها ومناقشتها للإفادة من مضامينها.
المحور الأول: تبسيط الحقيقة: فقد جاء في خطاب جلالته ما يُعتبر تنبيها لقادة العالم للدور المناط بهم في مواجهة المخاطر، وأنّ عليهم في آنٍ واحد اغتنام الفرص لبناء العالم. وهذا واضح من خلال قوله:(سيقف أمامكم هذا الأسبوع قادة من جميع أنحاء العالم في هذه القاعة، للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة لعام 2019.وجودنا هنا اليوم يعني إجماعنا على حقيقة بسيطة: وهي أن للجمعية العامة دورا حيويا في مواجهة المخاطر أو اغتنام الفرص التي يتيحها لنا عالمنا).
المحور الثاني: العمل لعالم أفضل: بعد سبعة عقود ونصف من الزمان، وما زال العالم يئنّ من كثير من المشكلات والخلافات، منشؤها: البعد عن أمر هامّ أنشئت لأجله هيئة الأمم المتحدة، وهنا يأتي الخطاب السامي بتنبيه هامّ إلى مفهوم: -العالم الأفضل- الذي قد تأخرنا عن تحقيقه: (العمل الجماعي، هذا ما وعدتنا به الأمم المتحدة. فقبل نحو خمسة وسبعين عاما تم إنشاء هذه المنظمة بإجراءات اتخذتها كل دولة من الدول الأعضاء بشكل فردي لتجتمع معا وترسم مستقبلا أفضل. واليوم، ما نزال بأمسّ الحاجة إلى كل دولة من الدول الأعضاء لكي نعمل جنبا إلى جنب، مع جيراننا حول العالم، لنصل إلى العالم الأفضل والأكثر أمنا الذي نصبو إليه).
المحور الثالث:متطلبات الواقع: الشعوب تتمنى السلام وتسعى للعمل لبناء العالم الأفضل، ولكنها تعيش واقعا يتطلّب التحرّك من قياداتها وعدم التواني، وهنا وبكلّ جدارة يأتي الخطاب السامي ليؤكد أهمية التمسّك بالأمل الذي ينقذ العالم من واقعه، في جُملة تختصر الزمان: (فإن لم نتحرك الآن، هل من أمل لدينا؟). إنه تساؤلٌ حكيم يقف بالعالم على بوابة التحرك نحو تغليب المصلحة العامة للأمم، باتخاذ الرأي الصواب لتحقيق الأمل المنشود.