حيث إننا أصبحنا في موسمٍ نزرع فيه الشوك بأيدينا في تجهيل صغارنا، وعن قريب سنجني ما زرعنا ونندم أننا لم نتدارك جيلا له حقّ في أعناقنا –شئنا ذلك أم أبينا-، وأنّ إضراب المعلمين/المعلمات في القطاع الحكومي سيجعل من قطاع التدريس الخاصّ مرشحًا لإحراج الفقراء وأهالي المناطق النائية، في تجمّل العناء لأجيال متلاحقة جرّاء تحويل بوصلةِ الأمل في أبنائهم نحو المجهول، حيث أدخلَهم الإضرابُ وأبناءَهم في نفَق مظلم، فقط.. لأنهم وضعوا فلذات أكبادهم أمانةً لدى المعلمين من أبناء وطنهم.
ومن باب أداء النصيحة للمسلمين وللناس كافّة، فسأناقش بهدوءٍ ورويّة مسألة (الإضراب) من خلال الثوابت الثلاثة: الدين- الوطن- الإنسانية. ونبدأ بالذي هو خير:
أولا: الدّين: نعلم يقينا أنّ حجّة الله بالغة: (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) –الأنبياء: 106-، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ترَكَنا على المحجة البيضاء والطريق الواضح، وأنّ حاجَتنا في إدارةِ ديننا ودنيانا، يكفينا في ذلك ديننا وما تفرع عنه من فتاوى ومسائل فقهية، ومن هنا فإنّ مناقشة من خلال ثابتة الدِّين، تتأتى بما يلي:
1) يقول ابن القيم في مدارج السالكين: (شيخ الإسلام حبيبنا، ولكنِ الحقُّ أحبُّ إلينا مِنه)، فمحبتنا للمعلم لا تحجب عنا وعنه النّصيحة والبحث عن الحقّ وأدائه.
2) عند الفقهاء والأصوليين: (الحكم على الشـيء فرع عن تصوره)، ويتحصّل عندنا أنّ الإضراب للمطالبة بالزيادة في الراتب، وهل المطالبة بالزيادة حقّ مشروع؟. يَلزمنا الرجوع في ذلك إلى نَصّ العقد فالعقد شريعة المتعاقدَين –كما في مسلَّمات القضاء-.
3) من الناحية الشرعية الإسلامية: هل المطالبة بالحقوق يمكن أن تكون بطرق فيها إضرار بالغير؟. هنا نحتاج إلى فتوى واجتهاد من أهل الاختصاص الشرعي لا الاختصاص الإداريّ.. فتنبه.
4) إضراب المعلمين والمعلمات فيه امتناع عن تحقيق واجب الأمة ناحية صغارنا في تعليمهم وتأهيلهم لحياة كريمة يبنون بالعلم، لأن الجهلَ يهدم بيوت العزّ والكرم، وتعلّم القراءة والكتابة واجب شرعا.
5) يقول العلماء: (على المعلم أن ينصح للمتعلم ويجتهد في تعليمه وعلى المتعلم أن يعرف حرمة أستاذه ويشكر إحسانه إليه؛ فإنه من لا يشكر الناس لا يشكر الله ولا يجحد حقه ولا ينكر معروفه. وعلى المعلمين أن يكونوا متعاونين على البر والتقوى كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:«المسلم أخو المسلم لا يُسلِمُه ولَا يَظلمه").
6)هل تعلم: أنه يحقّ لوليّ الأمر إلزام أهل الصناعات بذلَ صناعاتهم بالمقابل. ففي فتاوى ابن تيمية: (إن أصول الصناعات كالفلاحة والحياكة والبناية: فرض على الكفاية. والتحقيق: أنها فرض عند الحاجة إليها). وهل هناك حاجة ألزم لنا من تعليم أبنائنا.
7)في الموسوعة الفقهية: (أما أهل الصنائع: فيُقرّ المحتسب المتقن لها، كالطبيب والمعلم...، ولولي الأمر أن يلزم أهل الصنائع بأجرة المثل؛ لأنها لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك). إذن.. فالأمر تعبديّ، نؤجر عليه بالحسنات والدرجات عند الله تعالى، وذلك مقدّم على الرأي المحض المجرّد من اتباع الدليل.
فهل يُهرَع معلمو الناس الخير إلى فعل الخير، فتستغفر لهم الكائنات؟.