كلّما طرَقنا باب المستقبل في التخطيط لبنائه، ينتابنا شعور بعِظَم المسؤولية، مهما كانت مراكزنا. كما ويرتجف الفؤاد أحيانا حين الحديث عن الأجيال لأنهم أمانة في أعناقنا وحُقَّ للأمانة أداؤها.
ومما يمتاز به هذا العَصر: أنه عصر العلم والتعليم. فلم يشهد التاريخ اعتناء بالمدارس يشمل رقعة العالم الجغرافية كما هو الحال في عصرنا، ذلك أنّ الصراع انتقل من الصراع للبقاء إلى الصراع إلى اللارتقاء.
والأردنّ واحة علمية جنّاء، تخرّجت أجيال وأجيال من جنَباته، فشكرتْ الأجيال معلّميها، لأنّ لهم فضلاً والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ولأنّ نشر العلم بين الناس له مكانة سامقة، قال تعالى: «يَرْفَعْ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ» «المجادلة:10». ولكن ومن باب التذكير، بأنّ اللهَ يُجزلُ المثوبة للمخلِصين في أداء أمانة العلم والعمل، وأنه يرفع وينفع العامل بعلمه الذي يؤدي أمانة العلم الذي تعلّمه.
وعلى أبواب الموسم الدراسيّ لعام: (2019/2020) نستيقظ على ذكريات جرس المدرسة والطابور الصباحيّ الذي تعلمنا فيه الانضباط والمسؤولية مذ نعومة أظفارنا ويراعة أقلامنا وبراعة مدرّسينا، الذين كنّا نعتبرهم القدوة الأولى في سلوك منهج الانتماء والولاء للدين والوطن، فقد كانوا شيئا كثيرا في حياتنا، وما زالوا يخلدون في الذكريات الجميلة.
وفي هذه الأيام يمكننا القول: إنّ مهنة التدريس أخذت تترسخ أهميتها بين الأمم، لدرجة أننا لا يمكننا تأخير فصولها عن موعدها، لأنّنا بين يدي جيلٍ جديد يُبرق الأمل في عيونهم، ولا يمكننا إهمالهم ولو للحظة فتتخطَّفُهم الأهواء أو تهوي بهم في مغبات لا يمكننا تفاديها.
ولست اليوم بصدد النقد لقضايا التعليم، لكن ما من شيء يمنعنا أن نتذاكر بيننا بأمانة الأجيال، وأنه لا يمكننا أن يأتي الطفل الصغير غدا صباحا في أسبوعنا المقبل، ويجد المدرسة مُدبرَة عنه، عازفة عن استقباله لسبب أو لآخر، فلو قايسنا أنفسنا مكان طلاب الجيل الواعد، ونحن نعلم أنّه تقرر وهكذا معلمونا علمونا: أنّ الحكمَ على الشيء يكون في الثواني الأولى. فبماذا سيحكم أجيالنا على أمانتنا وعلى تعليمنا إذا هم رأوا منا صدودا.
ومن الوهلة الأولى قد يباغتني أحدهم بقوله: (مشاكل الدنيا.. ضغوطات الحياة.. متطلبات الوقت الراهن.. ضيق المعيشة،...). أقول لك أيها المعلم النبيل وابن الوطن الأصيل: إننا نقاسي ما تقاسي ونحبّ الخير للجميع، ولكن: هناك أمور لا تحتمل الخطأ. قال نابليون لزوجته جوزفين صبيحة زواجه منها وأراد مغادرة القصر: هناك أمة تنتظرني بالخارج. فيا مَن تبني الأجيال هم ينتظرونك في قاعات الدرس ليتعلموا منك، كما تعلم ابنَا الوليد من أبيهما، واستمع معي إليه يوصيهما: (قال أبو الوليد الباجي -رحمه الله- في وصيته لولديه: والعِلمُ لا يُفضي بصاحبه إلا إلى السعادة، ولا يَقصر عن درجة الرفعة والكرامة، قليلُه يَنفع، وكثيره يعلي ويرفع، كنز يزكو على كل حال، ويكثر مع الإنفاق). والإنفاق هنا هو: إنفاق العلم. وسيبقى الأردنّ أولاً: فيه تعلمنا كيف نتعامل مع أبجديات الحياة، ونتعامل مع معادلات الأمور كما علّمَنا معلمونا: تبسيط الأمور لا تعقيدها، وأنّ الخير قادم فلنمهّد له الطريق، ولنحمل الأمانة ونوصلها بسلامة كما وصَلَتنا.