« جئت للقتال في صحراء ليبيا دفاعا عن بساتين الشام «.. بهذه االعبارة رد الأمير شكيب ارسلان على انصار المجاهد عمر المختار الذين سألوه عن سبب تكبده عناء المجيء الى ليبيا للانضمام الى صفوف المجاهدين في القتال ضد قوات الاحتلال الايطالي قبل قرن أو أقل بقليل. والأمير شكيب ارسلان هو من بلدة الشويفات بجبل لبنان ، وشقيق الأمير عادل ارسلان أحد رجالات الثورة العربية الكبرى الذي نادى بالأمير فيصل ملكا للدولة العربية الموحدة التي تشمل كل سوريا الطبيعية، والذي شغل منصب رئيس الديوان الأميري العالي في عمان حتى عام 1923.
وللحقيقة والتاريخ ، نقول إن الأمير شكيب ارسلان ، بوعيه المتقدم ، كان في مقدمة دعاة الوحدة العربية ، وهو أول من حذّر من الغدر الغربي ، ولفت الأنظار الى مشروع تقسيم البلاد العربية خلال الحرب العالمية الأولى ( قبل معاهدة سايكس – بيكو ) ، كما حذّر من تقسيم فلسطين لاقامة وطن لليهود.
هذه المقدمة تقودنا للربط بين الواقع العربي وتطورات الوضع الراهن ، وبين الوعي المبكر لمفكر وسياسي عربي صدق القول ، عندما آمن بأن القتال في ليبيا ضد الاحتلال والاستعمار هو بمثابة الدفاع عن بلاد الشام، خصوصا اننا نرى مشروع تدمير ليبيا وسوريا يتحقق على أرض الواقع، وفي وقت واحد.
الذين دمروا ليبيا وتركوها نهبا للعنف والفوضى والارهاب، هم الذين دمروا سوريا وقدموا كل العون والمساندة للمنظمات المسلحة المتطرفة الأرهابية ، وهم الذين احتلوا العراق وزرعوا فيه الفتنة المذهبية والعرقية بهدف التقسيم ، وهم وراء حراك الربيع العربي بهدف التغيير المشبوه ، بهدف اشعال الحروب الأهلية ، واشغال الجيوش بأكبر عملية انتحار ذاتي للأمة ، من اجل اقامة الشرق الأوسط الجديد بقوة السلاح تارة ، وباسم الحرية وحقوق الإنسان ، أوالديمقراطية التي تصدرها لنا وتسوقها القوى المستبدة المتوحشة ، ومن معها من الذين يتلذذون بمشاهدة موتنا الجماعي ، من أجل مصالحهم.
وعندما نتحدث عن جذور الارهاب في المنطقة نجد أن تنظيم القاعدة كان البداية ، الذي ولد على يدي « الداية الأميركية» في افغانستان ، وهو التنظيم المتطرف الذي انشطر ، عبر التوالد والتناسخ، الى عدة منظمات ارهابية تحمل اسماء وعناوين متعددة ومختلفة ، حسب تاريخ وجغرافية كل منطقة أو محافظة أو طائفة في بلد عربي ، مهمتها زرع الكراهية والفتنة ونشر الفوضى والعنف ، بهدف تمزيق نسيج المجتمعات ، وفرض خريطة الانقسام والتقسيم ، من أجل اخراج الأمة من التاريخ، وانتزاع حصتها من الجغرافيا ، ومصادرة قراراها السيادي.
صحيح أنه ما زال في الأجندة العربية ما هو اسوأ ، وما زال في الجعبة من الخناجر ما يكفي للغدر والانتقام ، خصوصا في زمن يتحرك فيه الغرب نحو اليمين المتطرف العنصري المتشدد ، ولكن رغم كل هذا التدهور لم نصل الى قاع الهاوية بعد ، وبامكاننا أن نتمسك بالهوية العربية والدفاع عن قضايانا القومية وانسانيتنا ، بعدما تكسرت موجة المد الفوضوي الدموي في سوريا وتوقف الطوفان، رغم تحويل الصراع السوري الداخلي الى مشكلة اقليمية وأزمة دولية لكثرة الدخلاء على خط الاشتباك ، وغياب عدالة الشرعية الدولية.
في النهاية نرى أن ما يجري في البر السوري الآن سيشكل الحد الفاصل بين تاريخين ، بحيث أصبح من الممكن رد الطريق الى مساره ومساقه الصحيح للوصول الى حل سياسي يتحقق بالحوار والوعي والتوافق في اطار المسؤولية التاريخية ، وبالتالي مشاركة كل الأطراف والأطياف والطوائف السورية المساهمة في صياغة مستقبلها الأفضل ، والأهم وقف شلال الدم وانهاء معاناة الشعب السوري، ووقف التدهور العربي العام.