يُطرح سؤال الإصلاح في كثير من الأحيان وكأنه معادلة قانونية بحتة: نصوص تُعدَّل، تشريعات تُستحدث، وأنظمة تُحدَّث، ثم يُفترض تلقائيًا أن الواقع سيتغير تبعًا لذلك. لكن التجربة العملية في العديد من الدول تُظهر أن الفجوة بين "ما هو مكتوب" و"ما هو مُطبَّق" قد تكون واسعة لدرجة تُفرغ الإصلاح القانوني من مضمونه. هنا يبرز السؤال الحقيقي: هل يبدأ الإصلاح من القوانين، أم من الثقافة المؤسسية التي تُفسّر هذه القوانين وتُنفّذها؟
لا يمكن إنكار أهمية الإطار التشريعي، فهو يحدد الاتجاه العام ويضع الحدود ويؤسس للحقوق والواجبات. أي إصلاح دون غطاء قانوني واضح يبقى هشًا وقابلًا للتراجع. لكن في المقابل، النص القانوني—مهما كان متقدمًا—لا يعمل في فراغ بل يمر عبر منظومة بشرية وإدارية تحمل معها عادات وقناعات وأنماط تفكير تراكمت عبر سنوات طويلة. هذه الثقافة المؤسسية قد تُعزّز القانون أو تُفرغه من مضمونه وقد تُسرّع تطبيقه أو تُبطئه بل أحيانًا تعيد تفسيره بما يتناسب مع مصالحها أو مع ما اعتادت عليه.
المشكلة تبدأ عندما يتم التعامل مع التشريع كغاية بحد ذاته، لا كوسيلة. تُقاس الإنجازات بعدد القوانين التي تم إصدارها، لا بمدى تأثيرها الفعلي في حياة الناس. في هذه الحالة، يتحول الإصلاح إلى عملية شكلية تُرضي المتابعين على الورق لكنها لا تُحدث تغييرًا ملموسًا. السبب ليس في ضعف النصوص بالضرورة بل في غياب البيئة المؤسسية القادرة على تبنّي هذه النصوص وتحويلها إلى سلوك يومي. الموظف الذي اعتاد على نمط معين من العمل لن يغيّره لمجرد صدور قانون جديد ما لم يشعر بوجود حوافز واضحة للتغيير أو مساءلة حقيقية على الاستمرار في النهج القديم.
الثقافة المؤسسية هنا تلعب الدور الحاسم. فهي التي تحدد كيف يُفهم القانون، وكيف تُمارَس الصلاحيات وكيف تُتخذ القرارات اليومية. إذا كانت هذه الثقافة قائمة على تجنب المخاطرة والخوف من المساءلة والتمسك بالإجراءات الشكلية فإن أي نص إصلاحي سيتحوّل إلى عبء إضافي بدل أن يكون أداة تطوير. أما إذا كانت قائمة على المبادرة والكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة فإن حتى النصوص البسيطة يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا.
من زاوية أخرى التركيز المفرط على التشريع قد يكون أحيانًا محاولة لتجاوز المشكلة الحقيقية. تغيير الثقافة المؤسسية أصعب بكثير من تعديل قانون لأنه يتطلب وقتًا واستمرارية وقيادة قادرة على فرض نماذج جديدة في السلوك الإداري. يحتاج إلى تدريب وتحفيز وإعادة تعريف لمفهوم الأداء وربما الأهم من ذلك كله يحتاج إلى قدوة من الأعلى. عندما يرى الموظف أن القواعد تُطبّق بشكل انتقائي، أو أن الكفاءة ليست المعيار الأساسي في التقدم، فإن أي حديث عن إصلاح يفقد مصداقيته، بغض النظر عن جودة النصوص القانونية.
في المقابل لا يمكن أيضًا القفز فوق القوانين بحجة التركيز على الثقافة. فالثقافة دون إطار قانوني قد تتحول إلى اجتهادات فردية غير منضبطة. التوازن مطلوب لكن نقطة البداية هي ما يحدد مسار الإصلاح. البدء بالقانون فقط يفترض أن المشكلة تقنية بينما هي في كثير من الأحيان سلوكية وإدارية. أما البدء بالثقافة المؤسسية فيعني الاعتراف بأن التحدي أعمق وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل المؤسسات من طريقة التفكير قبل طريقة العمل.
الاستنتاج الذي يفرض نفسه هو أن القوانين ضرورية لكنها غير كافية. الإصلاح الذي ينجح هو ذلك الذي يُعيد تشكيل البيئة التي تُطبّق فيها القوانين لا الذي يكتفي بتغيير النصوص. عندما تتغير الثقافة المؤسسية تصبح القوانين أداة فعالة وعندما تبقى على حالها تتحول أفضل القوانين إلى نصوص جامدة. لذلك السؤال الأدق ليس أيهما أهم بل أيهما يجب أن يسبق. والإجابة الواقعية: الإصلاح يبدأ من الثقافة ويترسخ بالقانون.
محامٍ وخبير قانوني