استطاع الأردن منذ تأسيس إمارة شرق الأردن، إلى يومنا هذا، تحقيقَ الاستقرار والازدهار، عاماً بعد عام، وترسيخَ نهج الوسطيّة والاعتدال في التعاطي مع القضايا الإقليمية، نهجاً أساسياً وثابتاً تماماً كما ثبات الموقف الأردني إزاء القضية الفلسطينيّة، التي جعلها بوصلة رئيسية للخطاب الرسمي والشعبي الذي لم يتزحزح أو يتغيّر على مرّ السنوات رغم تقلب المواقف الإقليمية وتبدلها، فبقيت فلسطين البوصلة الواضحة للخطاب الأردني .
وتكوّنت اللغة الدبلوماسية الهادئة والقوبة من حروف شكلت خطاباً واضحاً لا يحتمل التأويل في التعاطي مع القضايا العربية والإسلامية، في أحلك الظروف وأصعبها، والوقوف إلى جانب الحق دون هوادة أو محاباة .
وفي الحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، كان موقف الأردن، الذي جاء على لسان جلالة الملك في أكثر من مناسبة واضحاً وصريحاً، بضرورة الحفاظ على الأمن الإقليمي والدولي، وأن التهديدات الحالية قد تشكل تهديداً خطيراً للاستقرار العالمي، وأكد جلالته في أكثر من مناسبة رفض الأردن لأيّ اعتداءات تهدّد دول المنطقة وتنتهك سيادتها.
وأكد الأردن ضرورةَ دعم الحلول السياسية والدبلوماسية لأنهاء جذور هذا الصراع الكبير، ورحب باتفاق وقف إطلاق النار، ودعا إلى حلول سياسية بدل المواجهات العسكرية التي لا تخلّف إلا الدمار والخراب وتعبث بأمن الإقليم، خاصّة منطقة الخليج العربي، التي يعتبر الأردن أمنَها خطاً أحمر .
إنّ الأردن يدير الأزمات التي تحيط بالإقليم والتي قد يصله شررها بحكمة وعقلانية، فرغم تصدي سلاح الجو الملكي وتدميره نحو 222 صاروخاً وطائرة مسيَّرة، أطلقتها إيران على أراضي المملكة، إلا أنه ما زال يحتفظ بكامل علاقته مع طهران، ولم يعلن أنّ إيران دولة عدوة أو يطرد سفيرها من عمان، فما زال يتعاطى مع الأزمة بروح العقلانية والأخوة الإسلامية، ويغلب لغة الحوار الهادئ والمهذب على "لغة ردّات الفعل غير المنضبطة"، والصبر على الظلم وهي سمة الهاشميين آل البيت، النابعة من القوة لا الخضوع، ويعد مواجهة حقيقية للشدائد والكرب والثبات عليه والنابع من الثقة بالله الذي قال في كتابه الكريم «إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ» (الزمر: 10)، إضافة إلى العمق السياسي للقيادة الهاشمية النابع من الحرص على إرساء قيم السلام والتسامح، من خلال تضييق الصراع، وعدم توسعه، والتمسك بالحوار وتحقيق السلام، ونزع فتيل أي نزاع إسلامي – إسلامي قد يعصف بالمنطقة لا قدّر الله.
ومن هنا، يجب أن يكون الخطاب الرسمي والشعبي منسجماً مع الخطاب الملكي في التعاطي مع أزمات الإقليم، فالأردن لم يصطفّ مع طرف ضد طرف، وإنما بقي موقفه معلناً وصريحاً، بدعمه لغة الحوار البناء ورفضه الاعتداء على سيادة الدول، ونبذه للحروب التي لا تخلّف إلا الدمار والخراب، وتلحق الأذى بكل الإقليم وتهدّد الأمن والسلم الدوليين.