ليس من باب المصادفة ولا العفوّية أن ترتبط مفاهيم الأمن والأمانة والإيمان بأصل لغوي واحد وهو الفعل (أمن)، فمن المعروف في اللغة العربيّة أّن الاشتراك اللفظي ينبع من الاشتراك في المعنى أو يفضي إلى معانٍ مشتركة. ومعنى ذلك أن الأمن شرط أساسيّ للأمانة والإيمان، وأنّ الأمانة شرط لانتشار الأمن ووجود الإيمان، وأنّ الإيمان يساعد على استتباب الأمن ووجود الأمانة بين الناس.

وليس المقصود بالإيمان الإيمان بمعناه الدينيّ فقط بل يضاف إلى ذلك الإيمان بكلّ ما ينتمي إليه الإنسان من وطنٍ وأمّةٍ وقيم، فالإيمان بهذه الأمور جميعاً يكون دافعاً لأن يتحلّى المرء بالأمانة وأن يسعى إلى ضمان الأمن والأمان لنفسه ولكلّ من حوله ولكلّ من يؤمن وما يؤمن به.

والأمانة تشمل كثيراً من صور التعامل مع المجتمع والناس، ولا تقتصر على الوفاء بالعهود مع الآخرين، ولا على حفظ أسرارهم، ولا على المحافظة على أموالهم وممتلكاتهم، بل تمتد إلى عدم خيانة الوطن وعدم التقصير في القيام بالواجب تجاهه وعدم التقصير في العمل والوظيفة وعدم المساس بما ليس من حقّك. والأمانة على هذه الصورة هي نتيجة طبيعية للإيمان بالمفهوم المبيّن أعلاه.

وأمّا الأمن فهو نتيجة حتمية للإيمان الحقيقي وللأمانة الحقيقية بكلّ صورها، فالمجتمع الذي يتحلّى بالأمانة والإيمان سوف ينهض بكلّ قواه ويتطوّر في كلّ مجالاته، فيتحقق أمنه الوطني وأمنه الاجتماعي وأمنه الصحّي والغذائي وغيره.

أمّا من جانب ارتباط ذلك بخصائص اللغة العربيّة وطاقاتها التعبيرية فإنّ اللغة العربيّة في أبنيتها ودلالاتها قادرةٌ على أن تعبّر عن القيم المختلفة في هذه المشتركات اللفظية وارتباطاتها الجذرية والعميقة، وهي أكبر شاهدٍ ودليل على صحّة هذه التشابكات ودقتها وسلامتها، كما أنّها الشاهد على سلامة الأفكار التي تتكشف عنها هذه التشابكات والمعبّرة أدقّ تعبير عن تلك الأفكار.

وبما أنّ اللغة العربية هي حافظة الأسرار والأفكار من خلال ما تكشفه علاقاتها ومبانيها ومعانيها، فإنّها جديرة بكلّ العناية والاهتمام من أجل الوصول إلى الحقائق والأفكار التي تضيء للأمّة طريق نهضتها وتطوّرها واستئناف مشروعها الحضاري.

salahjarrar@hotmail.com