ضمن هذا السياق، يبرز ميناء العقبة كنقطة ارتكاز لمشروع استثماري أردني إماراتي مشترك بقيمة 2.3 مليار دولار، يمتد عبر 360 كيلومترا ليربط مناجم الفوسفات في الشيدية ومناجم البوتاس في غور الصافي بالميناء الصناعي، مستهدفا نقل ما يقارب 16 مليون طن سنويا، منها 13 مليون طن فوسفات و2.6 مليون طن بوتاس، وفي والواقع ان هذه الأرقام بالإضافة الى كونها تعبر عن طاقة نقل فإنها تمثل إعادة تشكيل عميقة لسلاسل القيمة، حيث ينتقل قطاع التعدين من اعتباره نشاطا استخراجيا إلى منظومة إنتاجية متكاملة، تتقاطع فيها الكفاءة اللوجستية مع القدرة التنافسية، وتتحول فيها عمليات النقل من عبء كلفة إلى أداة تعزيز للربحية والنمو.
هذا التحول ينعكس مباشرة على بنية الاقتصاد الوطني، إذ يؤدي خفض كلف النقل إلى توسيع هوامش الربح، ورفع تنافسية الصادرات الأردنية في أسواق تتسم بحدة المنافسة، خاصة في قطاعات الأسمدة والمواد الكيميائية، كما يفتح المجال أمام إعادة توجيه الاستثمارات نحو الصناعات المرتبطة، بما يعزز من عمق القاعدة الإنتاجية، ويرسخ موقع الأردن كمصدر موثوق في الأسواق العالمية، وفي الداخل، تتسع الدائرة التنموية لتشمل محافظات الجنوب ومناطق الأغوار، حيث تتولد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتتحرك قطاعات النقل والتخزين والخدمات المساندة، بالتوازي مع توجهات لإقامة مناطق لوجستية وصناعية، وميناء بري وجمركي، وربط المسار بمنطقة معان التنموية، بما يخلق ديناميكية اقتصادية جديدة تتجاوز المركز إلى الأطراف.
غير أن البعد الاقتصادي، على أهميته، يندمج ضمن إطار استراتيجي أوسع، يتمثل في إعادة رسم خريطة الربط الإقليمي، حيث يشكل المشروع نواة لشبكة السكك الحديدية الوطنية، ويفتح مسارا شماليا يمتد عبر الماضونة نحو سوريا، وصولا إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط، ومن هناك إلى تركيا والأسواق الأوروبية، هذا الامتداد يعيد تموضع الأردن في قلب شبكة تجارة عابرة للحدود، ويوفر ممرا بريا أقصر وأكثر كفاءة للصادرات، بما يقلل الاعتماد على المسارات التقليدية الطويلة، ويمنح الاقتصاد الوطني مرونة أعلى في مواجهة تقلبات التجارة العالمية، وفي الاتجاه الآخر، يعزز الربط مع السعودية ودول الخليج، ليشكل ممرا متكاملا يصل الخليج بالمتوسط عبر الأراضي الأردنية، في صيغة تعيد تشكيل توازنات النقل والنفوذ اللوجستي في المنطقة.
كما تكمن أهمية المشروع في انه يأتي في وقت تشهد فيه المنطقة تنافس إقليمي محتدم على الممرات التجارية، حيث تفرض الدول حضورها بقدرتها على تأمين تدفقات آمنة وفعالة للبضائع، خاصة وان الاستثمار في السكك الحديدية هنا يوازي في أهميته الاستثمار في الطاقة والأمن، لارتباطه المباشر بقدرة الدولة على حماية مصالحها وتعزيز استقلال قرارها الاقتصادي، ومن هذه الزاوية، يكتسب المشروع بعدا سياديا يتجاوز الحسابات المالية، ليصبح أداة من أدوات ترسيخ المكانة الإقليمية.
الشراكة مع الإمارات تضيف بعدا نوعيا لهذا المسار، فهي تقوم على تكامل في الرؤية وتبادل في الخبرات، وتجسد نموذجا عمليا للتعاون العربي القائم على المصالح المشتركة والمشاريع الإنتاجية طويلة الأمد، كما ان دخول منصة استثمارية سيادية مثل "لعماد القابضة" يعكس مستوى الثقة في البيئة الاستثمارية الأردنية، ويؤشر إلى تحول في طبيعة الاستثمارات المستقطبة، باتجاه مشاريع ذات أثر هيكلي في الاقتصاد، وهو ما يجعل هذه الشراكة تقدم صيغة مختلفة للعلاقات العربية، قوامها الإنجاز والجدوى، وقدرتها على الصمود ترتبط بعمق المصالح التي تنتجها.
في المحصلة يحمل هذا المسار الذي يبدأ من العقبة رهانا واضحا على المستقبل، وعلى قدرة الأردن على الانتقال من موقع التأثر إلى موقع الفعل، ومن إدارة التحديات إلى صناعة الفرص، عبر معادلة تتشكل من بنية تحتية حديثة، وشراكات نوعية، ورؤية استراتيجية متماسكة، لإحداث نقلة نوعية وقيمة مضافة في بنية الاقتصاد.