أحد أبرز نتائج الأزمات المتتالية الأخيرة في المنطقة، تراجع حلفاء إسرائيل عن دعمهم التقليدي اللامحدود نتيجة الفظائع التي ارتكبتها إسرائيل بحق شعوب المنطقة العزّل، خصوصاً في غزة وجنوب لبنان، واللافت أخيراً قرار ايطاليا تعليق الإتفاق الأمني مع إسرائيل، والذي إعتبرته الأوساط السياسية في اسرائيل فشلاً سياسياً حكومياً.
المواقف تعدت ذلك الى تحميل الحكومة الإسرائيلية الحالية مسؤولية تراجع العلاقات مع دولة أوروبية تعتبر من أقوى الحلفاء، لا بل تعدى الأمر النظر الى إيطاليا سابقاً كقريب آيدولوجياً، وكان الرد الإسرائيلي مستغرباً عندما خرجت أصوات من أوساط التيار الحكومي الرد بالمثل، بمعنى تعليق الأتفاق الأمني مع إيطاليا، وهذا يمثل تصعيداً غير معهود مع الدول الحليفة للكيان، وهو مؤشر على وجود حساسية متزايدة من اسرائيل تجاه الإنتقادات الدولية العلنية، كما يشير الى تنصل وتباعد مع الإحتلال حتى من أقرب الحلفاء.
بعيداً عن الدعم التقليدي غير المشروط من الحلفاء التقليديين لإسرائيل، مع وجود بعض التمايز تجاه ملفات معينة، مثل إرتفاع أعداد الضحايا من المدنيين خصوصاً الأطفال والنساء، أو انتهاكات القانون الدولي الإنساني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أن القارة الأوروبية بدأت تشهد تحولات غير معهودة، من خلال الإنقسام الواضح بين دول تتمسك بإرثها السياسي الداعم، وأخرى بدأت تتبنى مواقف أكثر حدة وإنتقاداً، مثل إسبانيا وإيرلندا، التي دفعت بإتجاه إتخاذ خطوات سياسية وقانونية أكثر صرامة تجاه سياسات تل أبيب.
الأهم من كل ذلك، التغييرات الواسعة في المزاج الشعبي في الغرب، من خلال الإعتصامات المناهظة للساسيات الإسرائيلية ، ما يضع الحكومات هناك أمام تحدي المواءمة بين إلتزاماتها الإستراتيجية والمطالب الشعبية، التي يُعبر عنها من خلال الإحتجاجات اليومية، والمسيرات الطلابية الحاشدة رفضاً للسياسات الإسرائيلية الرافضة للسلام.
أضف الى ذلك، المواقف القوية للأمم المتحدة المتمثلة من خلال تصعيد لهجتها عبر تقارير وإدانات متكررة، ما يعزز الضغوط القانونية والسياسية على الحكومة المتطرفة في تل أبيب، ويدفع الحلفاء الى إعادة النظر في طبيعة الدعم وحدوده ، علاوة على مسار المحكمة الجنائية الدولية التي فتحت تحقيقات رسمية في جرائم حرب في غزة، والإستيطان في الضفة الغربية، وإستخدام القوة ضد المدنيين، ومحاولات تهجيرهم، ما ترتب عليه إصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين ، وهو ما يسلط الضوء على سلوكيات القوات الإسرائيلية بحكم كونها قوة قائمة بالإحتلال وفق توصيف القانون الدولي.
رغم أن اسرائيل لا تزال تحتفظ بدعم ابرز حلفائها إلا أن هذا الدعم بات محكوماً بسقف سياسي وقانوني جديد، ومع إستمرار الحروب في المنطقة التي تعتبر إسرائيل أحد أبرز محركاتها، تدخل التحالفات الإسرائيلية التقليدية مرحلة إعادة تقييم وتعريف، ما قد ينتهي بإعادة رسم حدود العلاقة بين اسرائيل والغرب في المرحلة المقبلة، و تراجع الثقة في قدرة الحكومة على إدارة التحديات الإقليمية والدولية، نتيجة حالة عدم اليقين التي تعيشها إسرائيل في ظل البيئة إلاقليمية الحالية، والتوازنات الدولية المتغيرة، وعلى العرب الإستفادة من هذه المتغيرات، والإستفادة منها في تعزيز الضغوط على الحكومة الإسرائيلية من أجل دفعها نحو التجاوب مع المبادرات العربية المتعددة للسلام.