د.أسماء سالم

تطرح رواية «ميرا» لقاسم توفيق، بوعيٍ وجرأة عالية، سؤال البحث عن الحقيقة، وإثبات الوجود، والحاجة إلى الحرّيّة، رغم كلّ القيود، وكذلك إشكاليّة غياب الصّوت في واقعٍ متناقض، وثقافةٍ جديدةٍ، وبيئةٍ مغايرة؛ فـ «ميرا» ذات الحضور الاستثنائيّ «كانت تحاول فيها أن تُخرج صوتها العالي الذي تيبّس في حلقها»، ووحدها استطاعت أن تفرض ذاتها، على التّشكيل السّرديّ من العنوان حتّى النّهاية، وأن تحضر في الأحداث كلّها، شكلاً وفكراً.

إذ انطلق الكاتب من فلسفة خاصّة في بناء شخصيّة هذه البطلة، وأحسن تصويرها المادّيّ، وكذلك النّفسيّ، موظّفاً «تيّار الوعي»، لما أحدثته ظروف حياتها الاجتماعيّة، من خلال أفكارها المتداعية وتصريحاتها المتنامية بجملة مشاعرها تجاه كلّ ما في فضاء الرّواية المشحون بتشابك العالمين الدّاخليّ والخارجيّ،ـ بدليل أنّها وما مرّت به، و«رعد» واستسلامه للواقع وآليّته، والعمّة وما صدّت عنه فعادت إليه، و«بوسكو» وما اختاره لنفسه دون غيره، و«شادي» وما ارتضاه من تيهٍ؛ بحثاً عن عالمه وقيمة وجوده؛ كلّ ذلك تحرّك في فضاء تحقيق الذّات أمام الدّين والجنس والسّياسة، ذلك الثّالوث الذي يضحّي بالإنسان ويسلبه الإرادة.

فلو أنّ «ميرا» «سلّمت عمرها لإرادتها وليس لإرادة أحد غيرها، لكان لعمرها شكل آخر أكثر راحةً ولربّما أكثر فرحاً»، وكأنّ هذا العمل مساءلةٌ فنّيّة جديدة للسّلطة والحياة والمجتمع؛ فالسّلطة ابتلعت إرادة «ميرا» وحياتها، وما زالت تبتلع كلّ من يشبهها، وآليّة الحياة في المجتمعات العربيّة تفرض نفسها محتكمةً إلى معايير أيديولوجيّة، في قراءةٍ نوعيّةٍ للواقع تحاكم السّلطة الاجتماعيّة وقبلها السّياسيّة والدّينيّة، بالتّركيز على جملة ظروف ومعتقدات أثّرت في مجرى الأحداث وتحوّل الشّخصيّات.

فقد تحوّل «شادي» مثلاً، من مناضل مع طائفته النّصرانيّة في حرب «صربيا»، إلى ورقةٍ هشّة في مهبّ المشاعر والأحاسيس الزّائفة، إلى ضحيّة التّيه والضّياع، إلى منافحٍ لأفراد طائفته، إلى مجرم بحكم عاداتٍ بيئيّة مكتسبة، إلى مجنون...؛ إلّا أنّ الصّراع الذي خاضه بين الدّيانتين المسيحيّة والإسلاميّة، والقرار الذي اتّخذه للتّخلّص من أزمته بطريقته، كان وجهاً من وجوه الوقوف ضدّ القيود وضدّ كلّ شيء في المجتمع الجديد.

ولعلّ ممّا يدلّ أيضاً على ضياع الذّات، وصراعها مع الجماعة، ما ورد عن «رعد» الذي قدّم مصلحته الذّاتيّة على مصالح الآخرين ومصائرهم، فهو «يترك وراءه ابنه، دون أن يعرف المصير الذي آل إليه، وينزع زوجته من أحضان وطنها وبيتها، وأبوين عجوزين لم ينجبا سواها إلى الدّنيا، ثم يفرض على فتاة مراهقة أن تغيّر عالمها، ليضعها، وهي ما تزال غضّة في عالم آخر غريب، كلّ ذلك لينجو بنفسه»؛ مضحّياً بالجميع من أجل وجوده وحياته، ومنصرفاً إلى شؤونه الذّاتيّة فحسب، ولسان حاله يقول: اللّهمّ نفسي نفسي.

وهذا ما كشفت عنه «ميرا» على لسانها، حين قالت: «لم يكن أبداً معنيّاً بغير حياته، على الرّغم من ضيقها وفراغها، هو لم يكن معنيّاً بالحياة إلّا بمقدار ما يصيبه منها. حتّى هذه الحرب العظيمة، لو أنّها لم تحمل في أتونها شيئاً يمسّه لما فكّر بالهرب، ليس بسبب ابنه، فهو بالكاد يتذكّره أو يسأل عن أخباره، بل هو خوفه من الموت».

وهذا أيضاً ما أكّده السّارد العليم الذي أحسن الروائي توظيفه، للتّعبير عمّا تعيشه الشّخصيّات، وكأنّه عاش حياتها ومشاعرها، فاستطاع الكشف عن صفاتها لاسيّما النّفسيّة، وسبر أغوارها تجاه بعضها بعضاً، فمثلاً مهّد وبالتّدريج، بلسانه، لعلاقة «بوسكو» بـ«ميرا»: «ما كان يفكّر به تجاه (رعد) أنّ هذا الإنسان الذي يستولي على أحلى ما في عمره كائن هزيل وضعيف وجبان، وأنّه لا يليق به أن يكون نصفَ (ميرا) الثّاني».

كما كشف السارد العليم عن شخصيّة «ميرا» الطّيّبة والمحبوبة والبسيطة والقنوعة المدبّرة والطّموحة والمضحّية والحرّة التي فرضت وجودها، بصوتها وذاتها وتداعي أفكارها وأخيلتها. وكشف أيضاً عن شخصيّة «رعد» المفتقرة إلى الطّموح، والبليدة، والقلقة المأزومة، والخاضعة المهزومة، والفاشلة ذات الصّفات السّلبيّة القاتلة. بالإضافة إلى شخصيّة «شادي» شديدة العزلة، والانطوائيّة، التي تؤمن باللاجدوى، والقلقة قلقاً وجوديّاً، والتي خاضت في متاهاتها بحثاً عن هويّتها، إذ لم يستطع «شادي» -دارس الفلسفة- البوح بنظرته المغايرة لكلّ ما حوله ومن حوله، فلم نسمع صوته، رغم أنّ حديثه مع نفسه كان كثيراً، بل فاجأنا بفعلته البشعة نتيجة تراكمات نفسيّة وذهنيّة وفكريّة.

وعموماً، كانت الشّخصيّات متأزّمة غاية التّأزّم ومغتربة غاية الاغتراب، وعلاقاتها متوتّرة بذواتها وببعضها بعضاً وبغيرها، تعيش صراعاً نفسيّاً وواقعياً، نتيجة صراع الثّقافات، والذّات والآخر، والمرأة والرّجل، والإرادة والقمع، والقبول والرّفض، كأثر حتميّ للتّحوّلات السّياسيّة والاجتماعيّة.

ولعلّ ما يحمل على الدّهشة، تشظّي الأزمنة، والأمكنة، والشّخصيّات برمزيّتها المتناقضة مع دلالات أسمائها، من باب التّناقض المنسجم في إطار رؤية خاصّة للإنسان والحقيقة والواقع والعالم؛ فـ «ميرا» رمزٌ للجمال المشوّه والمنبوذ، و«رعد» رمزٌ للانهزام والذّوبان والصّوت المهزوز، و«شادي» رمزٌ للضّياع واللاصوت واللاوجود، و«رجاء» رمزٌ للرّغبة المشبعة بالخذلان المكبوت.

وما من شكّ في أنّ هذه الرّواية الصّادرة في (284) صفحةً عن «الآن ناشرون وموزّعون» بعمّان، رواية واقعيّة اجتماعيّة، ذات بعد ثقافيّ جليّ، ترصد علاقة الأفراد بالأفراد، والأفراد بالجماعات، والذّات بالآخر، والشّرق بالغرب، والثّقافة بالثّقافة.

وتعبّر الرواية عن وعيٍ بالواقع العربيّ المشرقيّ، مثيرةً قضايا اجتماعيّة ودينيّة وسياسيّة عدّة، أهمّها التّعدّد والتّنوّع، والمرأة، والتّعصّب. وتتناول الحرب والحبّ، والحياة والموت، والحرّيّة والكبت، والسّلطة والقمع، والغربة والاغتراب، والتّحوّل والانقلاب؛ إذ تستعيد أحداث الحرب الأهليّة (البوسنة والهرسك) في أواخر القرن الماضي وآثارها، مع أثر تحوّل المكان الفنّيّ من (يوغسلافيا/ نوفي ساد) إلى (الأردنّ/ عمّان) على الأحداث والشّخصيّات؛ ما وسّع الفجوة، وأجّج التّعصّب، وقتل المحبّة، وسلب الاستقرار، وزاد التّأزّم.

فبانتقال «رعد» وعائلته إلى مجتمع إسلاميّ مشرقيّ، تعقّدت حياة «ميرا»، وتحمّلت ضغوطات المجتمع النّفسيّة عليها، لثقافتها المختلفة، كما تحوّلت ابنتها «رجاء» إلى متعصّبةٍ دينيّاً معاديةٍ لها، غير أنّ «ميرا» كانت أنموذجاً للشّخصيّة التي صمدت قدر الإمكان حتّى آخر لحظةٍ آلت فيها ضحيّةً للّا إنسانيّة والتّعدّد المكانيّ والاعتقاديّ والثّقافيّ، إذ تمّ التّركيز على أثر البيئة العميق، ومنظومة القيم الاجتماعيّة والمعتقدات، والصّخب والضّجيج الواقعيّ المعيش في دفع عجلة الأحداث وتحوّل الشّخصيّات وتحديد مصائرها، بدعوةٍ جادّةٍ إلى رسم ملامح مجتمعٍ منسجم، والثّورة على تقاليد الحياة في المجتمعات العربيّة؛ سعياً إلى تحقيق الحرّيّة والعدالة والسّلام.

وقد صوّر قاسم توفيق في هذه الرّواية، أثر البيئة ومجتمعها بثقافته في خلق التّوتّر والصّراع، على مستوى المكان الطّارد والمستقبل، والإنسان الرّافض والمتقبّل، والفكر المنفتح والمتحجّر، والتّحوّل من الطمأنينة إلى القلق والخوف، وحرّيّة التّعبير إلى القمع والكبت.

ولعلّ الكاتب المثقّف الصّارخ بملء فيه، نجح في أن يقول ما لا يقال أو أن يعبّر عن المسكوت عنه المتعلّق بتابوهات الثّقافة العربيّة، وهيمنة السّلطات والسّائد الرّتيب في المجتمعات؛ إذ واجه الدّين والجنس والسّياسة، وكلّ ما يثير الحساسيّة والجدل، ويقف عثرةً في درب الجمال والبساطة، متقصّداً قتل التّشويق بموت «ميرا» منذ البداية ليخلق جوّاً مدهشاً متحرّياً: كيف؟ ولم؟ ومتى؟

فهاجس الكاتب، من خلال ثيمة الوجود العنيد، تتبّعُ إصرار الحياة على قتل الانسجام ونفي الجمال، والقضاء عليه في ظروف استثنائيّة وواقع مرير، ما يلفت الانتباه إلى ضرورة الوعي والجرأة والإرادة، بحثاً عن الحقيقة وطلباً للسّلام وتحقيقاً للعدالة؛ فالقصديّة عنده وجوديّة، تدعو إلى احترام الإنسان وقيمته وحرّيّته قبل كلّ شيء، لأنّه خُلق كذا للتّعايش، إلّا أنّ الأنظمة وتحوّلاتها ومتغيّراتها أوجدت القيود، وضيّقت المنافذ، ورسمت الحدود.

ويعدّ العنوان مفتاحاً دالّاً على عالم الرّواية؛ فــ «ميرا» أنثى وامرأة، وشتّان ما بينهما حضوراً وتوجّهاً ومنظوراً، ولعلّ في تسمية الرّواية باسمها، ما يؤكّد فرض الذّات، وفرض الأنثى التي انقلبت بها أوضاعُها إلى مجرّد امرأة من وجهة نظر ثقافيّة مشرقيّة، مع أنّها جدّت في الاستفتاح، وطرق الأبواب، وإثبات الهويّة، وخوض التّجارب الدّاخليّة والخارجيّة، ورفض التّحوّل من العنفوان والتّغافل والحياة إلى الغياب والاضطهاد والموت؛ لكنّها فشلت.

وحكت الرّواية عن أزمة الإنسانيّة وغيابها في زمن الرّأسماليّة، نتيجة الصّراعات الأيديولوجيّة، فتابو السّياسة وصراع المرجعيّة جعل من الإنسان خانعاً، ومثّله «رعد»، وتابوه الدّين والتّعصّب والتّحرّز قيّد حرّيّته، ومثّلته «رجاء» التي خضعت لمنظومة فكريّة في حياتها الظّاهرة، تناقض شهواتها الخامدة، وتابو الجنس حظرَ التّعامل ببساطة مع الطّرف الآخر؛ فالأنثى في الرّواية ضحيّةٌ للتّحرّش، والنّظرة المكبوتة، والغرائز الحيوانيّة، والفهم الخاطئ في بيئة ملتزمة؛ ومن هنا لم يكن الكبت والقمع والحظر والمنع إلّا دوالّ متقاربة الدّلالات إلى حدّ كبير، تعالقت بأغلب الشّخصيّات، عدا شخصيّة «بوسكو» الحرّة التي استطاعت أن تُخضع الحياة والأيديولوجيا لإرادتها.

وقد رسمت الرّواية تجارب شخصيّات أنموذجيّة حيّة، استطاعت بها تحريك الأحداث وبناء السّرد الممتع والمشوّق، مركّزةً على المكان وأثر مرجعيّته وتركيبته المجتمعيّة؛ فالفضاء (عمّان) منفتحٌ على متناقضات الحياة، وذو أبعاد ثقافيّة اجتماعيّة وقيميّة، غير التي نعرفها كملامحه المادّيّة وقرائنه التّاريخيّة، وقد استبطن بدلالته الرّمزيّة دخيلة «ميرا» وغيرها في رحلتها المكانيّة والزّمانيّة، وبوضعها الاجتماعيّ الذي أجبرها على البحث عن ملاذٍ ومخلّصٍ تمثّل في عشق «يحيى»؛ لذا بدت عمّان عنصراً فاعلاً في التّأزّم والتّصاعد والتّوتّر، فهي في الرّواية ساحة سجالٍ وحرب ورقابةٍ وسلب وصراعٍ وضياع، بنَتْ مع بعض الشّخصيّات علاقةً تكشف عن مدى أثر سلطاتها، في اضطرابها وقهرها، لاسيّما «شادي» و«ميرا»، كونها مكاناً مفتوحاً ومغلقاً في الآن نفسه، مضطرباً ومربكاً ومراقِباً ومراقَباً وأرضيّةً للتّحزّب وضعف العلاقات، فبدت الرّواية لدى القارئ حمّالة أوجه؛ فكأنّها رواية مكان، أو حدث، أو شخصيّة، أو روايةٌ ثقافيّةٌ لم تنتصر للتّسامح الدّينيّ والانفتاح أو استيعاب ثقافة الشّرق لثقافة الغرب، بل عكست صورةً حقيقيّةً عن الصّراعين الثّقافيّ والطّائفيّ، وضياع الإنسان.

ويُذكر إلى جانب التّمكّن من أدوات السّرد الرّوائيّ بضمير الغائب، التّفنّن في قطْع السّرد مكانيّاً وزمانيّاً، بالقفز المكانيّ، والاسترجاع بالعودة إلى الماضي، مثل: حياة «بوسكو» وطفولته، وأحداث انتقال العائلة من يوغسلافيا، إلى أحداث زواج «رعد» بـ«ميرا» وغيرها، وكذلك التّمكّن القصديّ باستباق حدث القتل الذي تكرّر غير مرّة منذ البداية، مثل: «كان قد تبقّى لها من العمر سبع سنوات وثلاثة أشهر وعشرون يوماً وساعة واحدة، ففي يوم الخميس 24/2/2000، السّاعة الحادية عشرة ليلاً، انهال ابنها على جسدها النّاعم الرّقيق بعشرات الطّعنات».

وقد تكرر هذا على امتداد فصول دراميّة تراتبيّة زمانيّة ومكانيّة جاذبة، تكشف عن أسباب ما آلت إليه «ميرا»، من خلال علاقتها بالمكان ومعطياته، بلغة أدبيّة طيّعة رمزيّة عالية؛ ولعلّ انفتاح اسم «ميرا» على أفق الجمال والطّيب والسّلام غير مقصود، بقدر توظيفه الواقعيّ لتعزيز رؤية الوجود؛ فالواضح أنّ المضمون قد فرض تقنيات الحذف والقطع والاسترجاع والاستباق، فتداخلت أزمنة السّرد الماضي والحاضر والمستقبل؛ تعبيراً عن نضج القلق الزّمنيّ، وتعقّد الأحداث، وتأزّم الشّخصيّات.

ناقدة أردنية