تبحث الباحثة الفلسطينية الدكتورة سماح يوسف أبو رياش في كتابها «أثر المشترك اللغوي في تعدّد الدلالة الصرفية والمعجمية والنحوية والأسلوبية» ظاهرة تعدّد الدلالة في اللغة العربية، من خلال دراسة تطبيقية تستند إلى القرآن الكريم، وتكشف عن أثر المشترك اللغوي في إنتاج المعاني وتنوعها على مستويات لغوية متعددة، في مقاربة تجمع بين التفسير اللغوي والدرس اللساني الحديث.
ويقدم الكتاب، الصادر حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن عام 2026، دراسة علمية تتناول قضايا لغوية شغلت المفسرين وعلماء اللغة والنحو عبر العصور، لما لها من أثر في فهم النص القرآني وتوجيه دلالاته، فضلاً عن انعكاس بعضها على عدد من الأحكام الفقهية.
وتتخذ الباحثة من كتاب «المحرر الوجيز في تفسير التنزيل العزيز» لابن عطية الأندلسي مدونةً للدراسة، لما يتميز به من عناية بالقضايا اللغوية إلى جانب التفسير، معتمدة المنهج الوصفي التحليلي في تتبع الشواهد وتصنيفها وتحليل مواضع تعدد الدلالة وبواعثها، وصولاً إلى بيان أبعادها اللغوية والبلاغية.
وفي تقديمه للكتاب، يرى الدكتور مهدي عرار، أستاذ كرسي الشيخ تميم بن حمد آل ثاني للغة العربية، أن أهمية الدراسة تكمن في تناولها ظاهرة المشترك اللغوي عبر مستويات العربية الأربعة، الصرفية والمعجمية والنحوية والأسلوبية، بدلاً من الاقتصار على مستوى واحد، مشيراً إلى أن الباحثة لم تكتف بنقل الشواهد، بل تتبعتها وحللتها وحددت البواعث المؤدية إلى تعدد المعنى.
ويشير عرار إلى أن الكتاب يقدم موضوعاً دقيقاً يتقاطع فيه التفسير اللغوي والدرس اللساني الحديث، معتبراً أن تعدد المعنى في النص القرآني يمثل ملمحاً من فرادته وجماليات نظمه، ومدخلاً لفهم تعدد الأوجه الدلالية فيه.
ويتوزع الكتاب على أربعة فصول رئيسة؛ يتناول الأول «المشترك الصرفي وتعدد الدلالة»، من خلال دراسة السوابق واللواحق، والأصول الاشتقاقية، وتناوب الصيغ الصرفية، وما تحمله بعض الصيغ من دلالات متعددة تبعاً للسياق.
ويبحث الفصل الثاني «المشترك المعجمي وأثره في تعدد المعاني»، متناولاً المشترك اللفظي وما ينشأ عن اللهجات والقراءات والتطور الدلالي والأضداد، إلى جانب التحولات التي طرأت على دلالات بعض الألفاظ بعد ظهور الإسلام، مثل الحج والصلاة والزكاة والربا.
أما الفصل الثالث، فيتناول «المشترك النحوي وأثره في تعدد الدلالة»، من خلال قضايا تشاكل الزمن النحوي، وتعدد مرجع الضمير وصاحب الحال، ودلالات التوابع وحروف المعاني، فضلاً عن الحذف وأثره البلاغي في بناء المعنى.
ويخصص الفصل الرابع لـ"المشترك الأسلوبي وأثره في تعدد الدلالة»، متوقفاً عند الحقيقة والمجاز، وتنوع الأساليب وخروجها عن معانيها الظاهرة، ودلالات الخبر وتكثيف المعنى، مبيناً دور هذه الظواهر في تعميق الدلالة وإثراء النص القرآني.
وفي خلاصته، يتوقف الكتاب عند منهج ابن عطية في التعامل مع القضايا اللغوية والقراءات وتوجيه الدلالة، مشيراً إلى شموليته لمجالات اللغة، وما تضمنه من إشارات إلى مسائل لم تحظ باهتمام مماثل لدى غيره، مع تسجيل ملاحظات تتعلق بعدم ترجيحه أحياناً بين الأوجه المختلفة، أو عدم تعليله لبعض اختياراته. وتدعو الباحثة إلى إعادة النظر في القضايا اللغوية القرآنية وتناولها بمقاربات حديثة، وتوسيع الدراسات القائمة على هذا التفسير.
يُذكر أن الدكتورة سماح أبو رياش حاصلة على درجتي البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، والماجستير في النقد والبلاغة من جامعة الخليل، والدكتوراة في النحو واللسانيات من جامعة النجاح الوطنية، بتقدير امتياز في درجاتها الجامعية الثلاث. وعملت محاضرة في كلية دار المعلمين ومراكز تطوير المعلمين، ومعلمة للمرحلة الثانوية، ومدربة لمهارات التنمية البشرية، كما فازت بالمركز الثالث في مسابقة الشعر ضمن احتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية عام 2009، وتشغل عدداً من المواقع الأكاديمية والبحثية، وشاركت في مؤتمرات علمية عربية ودولية متخصصة في اللغة واللسانيات.