استعاد الروائي السوداني أمير تاج السر عدداً من الوقائع والشخصيات التي عرفها خلال بدايات عمله طبيباً في مدينة بورتسودان، وكيف انتقلت من تفاصيل الحياة اليومية إلى صفحات رواياته، متوقفاً عند تجربته مع روايته الذاتية "قلم زينب"، التي استند فيها إلى أحداث عاشها بنفسه، وشخصيات لم يحتج في رسمها إلى كثير من الخيال بقدر ما احتاج إلى استدعاء ذاكرته وإعادة صياغة ما احتفظت به من تفاصيل.
جاء ذلك خلال ندوة بعنوان "السيرة حين تصبح رواية"، أدارتها أمواج أبو حمدة، ضمن فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الـ45، لمناقشة تجربة تاج السر في تحويل الذكريات والتجارب الشخصية إلى مادة روائية، والمسافة بين الواقع والتخييل، ودور الذاكرة في استعادة الأحداث، فضلاً عن وصول أعماله إلى المناهج التعليمية في عدد من الدول، وما أحدثته من تفاعل مع القراء الصغار.
وتطرق تاج السر إلى الظروف التي وُلدت فيها رواية "قلم زينب"، موضحاً أنه كتبها عام 2010، مستنداً إلى وقائع عاشها في بدايات ممارسته مهنة الطب، بعد انتهاء فترة الامتياز، حين عمل في عيادة بمنطقة شعبية في بورتسودان، تولى تجهيزها ممرض كان قد عرفه خلال فترة الامتياز، وفي اليوم الأول للعمل، دخل رجل إلى العيادة ودفع رسوم الكشف، قبل أن يوضح أنه ليس مريضاً، وإنما جاء لتقديم هدية، ثم أخرج قلماً وقال: "من أجل زينب"، ومن هذه الواقعة استمدت الرواية عنوانها، بعدما ظلت الحكاية عالقة في ذاكرة الكاتب، لتتحول لاحقاً إلى مدخل لعمل روائي يستعيد جانباً من تلك المرحلة.
وتناول تاج السر علاقته بالذاكرة، موضحاً أنه يتعمد تدريبها واستعادة تفاصيل الماضي، لا سيما في الأوقات التي تسبق النوم، حين يحاول تذكر أحداث قديمة، واستحضار الأشخاص الذين شاركوا فيها، وترتيب الوقائع وتسلسلها. وأوضح أن هذه الممارسة تساعده على الاحتفاظ بتفاصيل قد لا تبدو مهمة وقت حدوثها، لكنها قد تصبح مادة للكتابة بعد سنوات، وضرب مثالاً آخر برواية "إيبولا 76"، التي استلهمها من حكاية طبيب عمل في منطقة إنزارا بالكونغو خلال تفشي وباء إيبولا عام 1976، وقال إنه التقى الطبيب في عيادة أثناء بحثه عن دواء للملاريا، وهناك استمع إلى تجربة الطبيب وما عاشه خلال الوباء، فاحتفظ بالحكاية في ذاكرته، وظلت حاضرة لديه إلى أن وجد طريقها إلى الرواية بعد سنوات طويلة.
وفي حديثه عن علاقته بالقارئ أثناء الكتابة، أكد تاج السر أنه لا يفكر في الجمهور حين يشرع في كتابة عمل جديد، ولا يضع في اعتباره ما قد يفضله القراء أو ينتظرونه منه، موضحاً أنه يكتب وفق الحالة والمزاج اللذين يكون عليهما، من دون أن يخطط للنص بهدف إرضاء جمهور بعينه، وأشار إلى أنه لا يصنف نفسه كاتباً شعبياً بالمعنى الذي يجعل أعماله مباشرة وسهلة التلقي لدى جميع القراء، مستشهداً بطبيعة بعض أعماله، التي لا تتوجه بالضرورة إلى قارئ يبحث عن سرد بسيط أو حكاية مباشرة.
وأعرب تاج السر عن سعادته بتدريس عدد من أعماله في المناهج التعليمية بدول مختلفة؛ إذ تُدرّس "قلم زينب" لطلبة الصف الثاني عشر في دولة الإمارات، فيما تُدرّس "صائد اليرقات" في المنهج البريطاني الثانوي، و"سيرة الوجع" في المنهج الثانوي المغربي.