وإذا بعائلات تأتي إلى الجناح نفسه، وتجلس إلى جوارنا، وقد وُضعت أسماؤها على المقاعد المخصّصة لها. إنها عائلات شهداء الوطن، الذين كُتبت أسماؤهم على الكراسي، كما حُفرت أسماء أبنائهم الشهداء في القلوب وفي ذاكرة الوطن. لقد دُعيت هذه العائلات للمشاركة في هذه المناسبة الوطنية الكبيرة، والاستماع إلى خطاب العرش.
وكل إنسان يتمنى أن يحظى بشرف حضور هذا الخطاب، لكن عائلات الشهداء، بلا شك، لم تكن تتوقع أن تأتي إلى هذه المناسبة في مثل هذه الظروف الأليمة، فالجرح ما زال عميقًا، والحزن كبير، والدمع لم يجفّ بعد. لذلك، لم يكن مستبعدًا أن يستهلّ جلالة الملك عبدالله الثاني خطاب العرش باستذكار أرواح الشهداء، وأن يدعو جميع الحضور، من أعيان ونواب ومسؤولين وأبناء الأسرة الأردنية الواحدة وسفراء دول العالم الشقيقة والصديقة، إلى الوقوف لحظات من الصمت إجلالًا لأرواحهم الطاهرة.
كان صمتًا مجلجلًا، قويًا وصاخبًا بمعانيه، في قاعة مجلس الأمة. لقد كان الصمت أبلغ من الكلام. إنه صمت الصلاة، الذي تزامن مع يوم الصلاة العالمي من أجل أرواح الراقدين، الذي تحييه الكنيسة في الثاني من تشرين الثاني من كل عام. إنه صمت الاستنكار لما حدث. إنه صمت استذكار سيرة الشهداء العطرة. إنه صمت المواساة والتعزية والوقوف إلى جانب عائلات الشهداء، الذين يعتزّون بأبنائهم الذين ارتقوا شهداء للوطن. وقد عبّر جلالة الملك عن هذه المعاني بكلمات حملت عهدًا وطنيًا واضحًا، حين قال: "إن دماء شهداء الكرك عهد في أعناقنا، وأدعوكم للوقوف دقيقة صمت على أرواحهم".
فالأسرة الأردنية أسرة واحدة، متضامنة ومتكاتفة ومتآلفة. وهذا ما أعطى خطاب جلالة الملك بُعدًا إنسانيًا ووطنيًا عميقًا. فالخطاب الذي يمكن وصفه، كما يقول الفرنسيون Chef-d'œuvre بأنه تحفة فنية، لم يقتصر على الشؤون السياسية والوطنية، بل حمل رسالة أخلاقية وإنسانية واضحة، مفادها أن الأسرة الأردنية الواحدة لا مكان فيها لمن يتنكّر لقيمها أو يعتدي على أبنائها.
إنها أسرة وطنية متينة، تجمعها المحبة والتضامن، وتتميّز بأجواء من الألفة والمواطنة تختلف عمّا نشاهده في كثير من البلدان. ولذلك، فإن الذين ارتكبوا هذه الجريمة، بفكرهم المتطرف وعملهم الإرهابي، لا يمثّلون هذه الأسرة، ولا ينتمون إلى قيمها الأصيلة. وهذا ما أكّده جلالة الملك بقوله: "فهؤلاء ليسوا منا، هؤلاء خرجوا عن عائلتنا الأردنية العظيمة، وخانوا هذه الأسرة، فلا مكان لهم بيننا، لا اليوم ولا غدًا".
ويتشرّف المرء بالإصغاء إلى خطاب العرش، والتصفيق لما يحمله من معانٍ وطنية، والانحناء احترامًا أمام هيبة الملك، وهو يطلّ بلباسه التاريخي والنبيل والمعبّر، مستحضرًا سبعة وعشرين عامًا من القيادة الهاشمية التي يعتزّ بها الأردنيون.
وكانت عينا جلالته تتجهان، بين الفينة والأخرى، نحو الجناح الخامس، حيث تجلس عائلات الشهداء، إلى جانب الجناح الثالث، المخصّص لرجال القوات المسلحة والأجهزة الأمنية. وحين يمرّ المرء بالقرب من رجال القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، يشعر بكل معاني الكرامة الأردنية، وبالتصميم الراسخ على أن يبقى الوطن قويًا، وكما أكّد جلالة الملك في خطاب العرش بقوله: "الأردن كان وسيبقى عصيا على كل معتد غاشم، ومهيبًا في وجه كل متغافل عن تاريخ هذا الوطن".
وكانت عائلات الشهداء أول من غادر القاعة بعد انتهاء الخطاب، لأن جلالة الملك - الأب- أراد أن يصافح أفرادها واحدًا واحدًا، وأن يقدّم لهم التعزية والمواساة، وأن يشدّ من أزرهم في هذا المصاب الجلل، مؤكدًا أن مصابهم هو مصاب الوطن كله.
وهكذا، لم يكن خطاب العرش هذا العام مجرّد مناسبة دستورية سنوية، مع توجيهات للحكومة بالعمل بأمانة وإخلاص، بل كان أيضًا لحظة وطنية وإنسانية عميقة، امتزجت فيها هيبة الدولة بمشاعر الحزن، والتصميم على حماية الوطن بمشاعر الرحمة والمواساة.
لقد كانت عائلات الشهداء حاضرة في الجناح الخامس، لكنها كانت في قلب الخطاب، وفي قلب الملك، وفي قلب الوطن. رحم الله شهداء الوطن، وأعطى عائلاتهم العمر المديد، ومنح وطننا صبر الصخر العتيد.