استحضرت لجنة السينما في مؤسسة عبد الحميد شومان، مساء أول من أمس الاثنين، واحدة من أبرز محطات السينما المصرية والعربية، من خلال عرض الفيلم الكلاسيكي «باب الحديد» للمخرج المصري الراحل يوسف شاهين، وذلك ضمن برنامجها السينمائي الذي يأتي احتفاء بمئوية ميلاده، في قاعة السينما بمقر المؤسسة في جبل عمان.
ويعد الفيلم، الذي أنجزه شاهين عام 1958، محطة مفصلية في تجربته الإخراجية، لما يحمله من جرأة في الطرح والمعالجة، وقدرة على النفاذ إلى عوالم الإنسان البسيط والمهمش، واستكشاف ما يعتمل في داخله من أزمات نفسية واجتماعية وعاطفية، في فضاء محطة القطارات التي تتحول إلى صورة مصغرة عن المجتمع بتناقضاته وصراعاته اليومية.
وتدور أحداث الفيلم داخل محطة السكك الحديدية في القاهرة، حيث تتقاطع حكايات مجموعة من الشخصيات التي تجمعها ظروف العمل والحياة القاسية، وفي مقدمتها شخصية «قناوي»، بائع الصحف الذي يعاني إعاقة جسدية واضطرابا نفسيا، ويعيش حالة من العزلة والحرمان، قبل أن تتعلق مشاعره ببائعة المشروبات الغازية «هنومة»، التي لا تبادله الحب، وإنما تنظر إليه بعاطفة ممزوجة بالشفقة، في الوقت الذي تتطلع فيه إلى الارتباط بالعامل «أبو سريع».
ولا تتوقف الحكاية عند حدود العلاقة العاطفية بين الشخصيات، إذ يفتح شاهين من خلالها نافذة على واقع العمال والحمالين في المحطة، وما يتعرضون له من استغلال وظروف عمل صعبة، حيث يسعى «أبو سريع» إلى تحفيز زملائه لتشكيل نقابة تدافع عن حقوقهم، في موازاة الصراعات النفسية والاجتماعية التي تعيشها الشخصيات، وما يرافقها من رغبات مكبوتة وأحلام مؤجلة ومحاولات للخلاص من واقع مثقل بالحرمان والمعاناة.
ويكشف الفيلم، منذ مشاهده الأولى، عن قدرة شاهين على بناء عالم سينمائي متكامل، إذ يستعين بصوت الراوي للتعريف بالشخصيات ومداخل الحكاية، قبل أن تتكشف تدريجيا ملامح شخصية «قناوي» وحالته النفسية، من خلال تفاصيل غرفته المتواضعة وصورها المعلقة على الجدران، وصولا إلى تصاعد الأحداث وتداخل المسارات الإنسانية والاجتماعية للشخصيات.
ويبرز «باب الحديد» بوصفه عملا سينمائيا استثنائيا في قدرته على التقاط التفاصيل اليومية لحياة البسطاء، وتحويلها إلى مادة درامية غنية بالدلالات الإنسانية، حيث استطاع شاهين أن يقدم رؤية تتجاوز حدود الحكاية التقليدية، مستندا إلى لغة سينمائية جريئة تمزج بين الواقعية والتحليل النفسي والتعبير الجمالي.
ومن أبرز ملامح العمل أن شاهين لم يكتف بإدارة العملية الإخراجية، بل تولى تجسيد شخصية «قناوي»، مقدما أداء لافتا اتسم بالعمق والقدرة على التعبير عن التحولات النفسية والجسدية للشخصية، في مواجهة أداء متميز لكل من فريد شوقي في دور «أبو سريع»، وهند رستم في دور «هنومة»، وحسن البارودي في دور موزع الصحف بالمحطة.
وعلى المستوى الفني، شكل الفيلم تجربة متقدمة في عناصرها المختلفة، بدءا من السيناريو الذي كتبه عبد الحي أديب، مرورا بالإخراج والتصوير والمونتاج، وصولا إلى توظيف المكان بوصفه عنصرا أساسيا في بناء الحدث. فقد نجحت الكاميرا في الانتقال بين المساحات المفتوحة والممرات والأكشاك والمخازن وخطوط السكك الحديدية، راصدة حركة المسافرين والعمال والعابرين، في إيقاع متدفق تجري أحداثه خلال يوم واحد، بما يمنح العمل وحدة زمنية ومكانية متماسكة.
وتتجلى أهمية «باب الحديد» أيضا في كونه شكّل مدخلا واضحا إلى العالم السينمائي الخاص بيوسف شاهين، الذي واصل في أفلامه اللاحقة الاشتغال على قضايا الإنسان والحرية والتمرد والتناقضات النفسية والفكرية والاجتماعية. كما مثل الفيلم مغامرة فنية جريئة خرجت على الأنماط التقليدية السائدة في السينما المصرية آنذاك، وكرست مكانته بوصفه أحد أبرز كلاسيكيات السينما العربية وأكثرها تأثيرا في مسارها الفني.