((البحّار)) لهاشم غرايبة.. ذاكرة الإنسان في مواجهة الفقر والخسارات وتحولات الزمن

تاريخ النشر : الثلاثاء 11:18 3-11-2026

في رحلة سردية تتداخل فيها الذاكرة بالسيرة والتأمل الإنساني، يستعيد الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار.. حي ولا أخاف» تفاصيل الحياة الصغيرة التي تظل عالقة في الوجدان، محولاً ذكريات الطفولة والفقر والسفر والشيخوخة إلى مادة روائية تضيء تحولات المجتمع، وتطرح أسئلة الإنسان حول الحياة والمصير والقدرة على مواجهة الخسارات ومواصلة العيش.

وتحمل الرواية، التي صدرت طبعتها الثانية حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» لعام 2026، عالماً روائياً قائماً على الاعتراف واستعادة الذاكرة، من خلال شخصية «سليم الناجي»، الذي تتجلى مسيرته بوصفها تجربة إنسانية بسيطة، بعيدة عن صورة الأبطال التقليديين، وقريبة من تفاصيل الإنسان العادي وما يختزنه من تجارب وانكسارات وذكريات.

وتبدأ الرواية، التي تقع في نحو 130 صفحة، بفصل «على الرصيف»، حيث يجد الراوي نفسه في المدينة بعد انتهاء التحقيق معه، لتنطلق رحلة استعادة الماضي والبحث في تفاصيل حياة امتدت عبر عقود. ومنذ الصفحات الأولى، تتوطد العلاقة بين الذاكرة والكتابة، إذ يقرر الراوي تدوين كل ما يعرفه وعاشه وقرأه وسمعه، لتصبح الأوراق وسيلة لاستعادة ما غاب من حياته ومواجهة النسيان.

ويقول في الرواية: «أجمل ما في كتابة الاعترافات: استرجاع متعة الاستغراق في لحظات جميلة تجاهلتها لسبب ما»، قبل أن يستعيد سلسلة من الصور والروائح والأصوات التي ظلت راسخة في ذاكرته؛ من صلاة الأم في غبشة الفجر، إلى مذاق «الكردوش» (خبز الشعير) الساخن، وهطول الشهب في ليالي الحصاد، والعسل مع السمسم، ورائحة فتّة الشاي بالخبز، وصولاً إلى المرور بميناء هامبورغ في ألمانيا، ورذاذ المياه عند شلالات نياغارا، وقمر أيلول على درب مهرّبي البضائع على الحدود.

وتنتقل الرواية بين هذه التفاصيل الحميمة وأسئلة أكثر قسوة تتصل بالفقر والمرض والحروب والتحولات السياسية والاجتماعية، وهو ما يتجلى في الفصل الثاني «زمن الخسارات»، الذي يستعيد فيه الراوي طفولة قاسية، منذ ولادته «بين حربين عالميتين»، في زمن لم يكن تسجيل المواليد فيه أمراً شائعاً، بينما كانت ظروف الفقر والجوع والأمراض ومخاطر الحياة اليومية تحاصر الناس.

ويروي البطل جانباً من تلك الطفولة، مشيراً إلى أن من ينجو من الإسهال والحصبة والجدري قد يموت بعضّة أفعى أو رفسة بغل أو انهيار سقف، قبل أن يستعيد حادثة شقيقه الرضيع الذي خطفته «الشُّوحة» (طائر الحدأة الجارح) عن البيدر، بينما كانت الأم منشغلة بفك حمل القش عن الناقة.

ومن الذاكرة الشخصية، تتسع الرؤية الروائية لتلامس قضايا الشباب والمجتمع العربي، إذ يخاطب الراوي شخصية «أحمد سامي»، الشاب الذي يغدو رمزاً لجيل يرى أنه حُرم من فرصه، قائلاً: «الشباب قمتم بتقزيمهم، وتثبيط هممهم، وأهملتم المتفوقين والمبدعين منهم لصالح المنافقين والمحاسيب والرّاشين»، في نقد لما يراه تراجعاً في التفكير الحر والبحث العلمي والفن والثقافة.

كما تتناول الرواية علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والوطن، متوقفة عند غياب المشاريع الكبرى القادرة على استثمار طاقات الشباب، وضعف الاهتمام بالثقافة والفنون والبحث العلمي، وهي تحولات يربطها الراوي بالمسار المختلف الذي اتخذه حفيده «أحمد».

وتتخذ الكتابة داخل الرواية وظيفة تتجاوز تسجيل الذكريات إلى مقاومة النسيان ومواجهة الفناء، إذ يقول الراوي: «أنا أعيش في عالم دنيء، ولكني حي ولا أخاف»، قبل أن يكتشف أن ما يكتبه قد يبقى بعده، وأن الكتابة تفتح أمامه نافذة على الأبدية، وتمنح التجربة الفردية فرصة للاستمرار خارج حدود العمر والزمن.

ويعكس الغلاف الأخير هذا المنحى الاعترافي، من خلال استعادة المؤلف لحظات تبدو في ظاهرها عادية، لكنها تختزن عالماً كاملاً من الحنين والتفاصيل، من صلاة الأم ومذاق السكر البني العالق بكفها، إلى خبز الشعير الساخن وهطول الشهب في ليالي الحصاد، وصوت حليب البقرة بين أصابعها، وصولاً إلى ميناء هامبورغ وعوّامة النيل وشلالات نياغارا وقمر أيلول على درب المهربين.

وتجمع «البحّار.. حي ولا أخاف» بين السيرة والذاكرة والرواية، مستعيدة عبر تفاصيل الحياة اليومية عالماً تتجاور فيه الطفولة والشيخوخة، والفقر والسفر، والخسارة والأمل، لتقدم تأملاً في قدرة الإنسان على الاستمرار رغم ما يحيط به من تحولات وانكسارات، وفي الدور الذي تؤديه الذاكرة والكتابة في حفظ التجربة الإنسانية من التلاشي.

ويذكر أن هاشم غرايبة من مواليد قرية حوّارة شمال الأردن، وحصل على شهادة البكالوريوس في المختبرات الطبية من العراق عام 1975، ثم شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة اليرموك عام 1990.

وترأس تحرير مجلة «براعم عمّان» التي كانت تصدرها أمانة عمّان الكبرى عام 1997، كما ترأس تحرير مجلة «وسام» التي تصدرها وزارة الثقافة، وعُيّن مديراً للدائرة الثقافية في بلدية إربد خلال عامي 2005 و2006، ومنسقاً عاماً لاحتفالية إربد مدينة الثقافة الأردنية عام 2007.

واختير عضواً في مجلس إدارة جامعة إربد الأهلية عام 1995، ومجلس أمناء الكلية الأردنية للعلوم والتكنولوجيا خلال الفترة 2007-2009، ومجلس كلية الفنون الجميلة بجامعة اليرموك خلال الفترة 2012-2014.

ونال غرايبة جائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة من رابطة الكتاب الأردنيين عام 1987 عن مجموعته «هموم صغيرة»، ومُنح درع الرواد العرب من جامعة الدول العربية في القاهرة عن مجمل أعماله الأدبية عام 2000. كما نال جائزة محمد نزّال العرموطي للإبداع والدراسات العمّانية في حقل الرواية، التي أطلقها آل العرموطي برعاية بيت الشعر الأردني عام 2008، عن روايته «الشهبندر»، وفاز بمنحة ضمن مشروع التفرغ الإبداعي الثقافي الذي تشرف عليه وزارة الثقافة عام 2007.

وكتب غرايبة وأعدّ مجموعة من السيناريوهات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، وشارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الثقافية والفكرية العربية، وصدر له عدد من الأعمال الأدبية في الرواية والقصة والمسرح والنصوص، من بينها: «هموم صغيرة»، و«قلب المدينة»، و«عدوى الكلام»، و«حبة قمح»، و«بيت الأسرار»، و«المقامة الرملية»، و«الشهبندر»، و«بترا: ملحمة العرب الأنباط»، و«أوراق معبد الكُتبَا»، و«القطّ الذي علّمني الطيران»، و«الحياة عبر ثقوب الخزان»، و«الوقوف على قدم واحدة».

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }