بدأت كلمتي الترحيبية، بصفتي المدير العام للمركز الكاثوليكي، بالدعوة إلى الوقوف دقيقة صمت وصلاة على أرواح الشهداء، مستذكرًا إياهم بالاسم، تأكيدًا على أن الشهداء ليسوا أرقامًا، بل أصحاب حكايات وعائلات وأحلام. وكان في هذا الاستذكار معنى يتجاوز الرثاء: أن صون كرامة الإنسان يبدأ من الاعتراف به فردًا، وأن الألم الذي أصاب عائلات الشهداء أصاب الوطن كله.
ومن هنا جاءت «المعيّة» بوصفها أكثر من كلمة أو شعار. إنها ألّا يُترك أحد وحيدًا في مواجهة الحزن أو الخوف أو التطرف، وأن ندرك أن مستقبل المسيحيين والمسلمين في أوطاننا ليس شأنًا منفصلًا لفئة دون أخرى، بل مسؤولية يتقاسمها الجميع. فلا يمكن أن نفكر بالمسيحيين وحدهم، أو بالمسلمين كأنهم جزيرة معزولة؛ فالمستقبل لنا جميعًا، ومسؤوليته علينا جميعًا.
وتحمل كلمة «المعيّة» معنى الشراكة الفعلية: أن نصغي إلى بعضنا، ونتعاون في مواجهة التحديات، ونحمي كرامة الإنسان، ونرفض تحويل الاختلاف الديني أو الثقافي إلى سبب للفرقة. وهي، في المقابل، لا تعني محو خصوصية أي جماعة أو الاكتفاء بتعايش شكلي؛ وقد عبّر الشعب الأردني برمّته عن رفض كلمة التعايش التي كان العديد يستخدمونها دلالة عن حسن العلاقات، بل برزت مصطلحات جديدة، لتضيء على أن يكون لكل مكوّن حضوره وإسهامه، ضمن وطن يتسع للجميع، بقيادة حكيمة بشهادة جميع أرجاء الكون.
وقد اكتسب هذا المعنى أهمية خاصة في الأردن، البلد الذي يستعد لإحياء ألفي عام على عماد السيد المسيح في مياه نهر الأردن. واستحضرتُ تلخيص جلالة الملك عبدالله الثاني للسردية الأردنية، بوصفها سردية وطن، كما قال جلالته يوم عيد الاستقلال الثمانين هذا العام: «لم يكن هامشًا في تاريخ البشرية، بل أرضًا للوئام والتلاقي؛ تعمّد المسيح في مياه نهرها، وعاش الصحابة والتابعون في ربوعها». إنها صورة تاريخية تذكّر بأن تنوّع الأردن ليس طارئًا على هويته، بل جزء من تكوينه.
ومن هذا المنطلق، اختيرت «المعيّة» عنوانًا للمؤتمر ومستقبل البلدان المشاركة فيه. فالتحديات التي تواجه المجتمعات ــ من التطرف والعنف إلى الاستقطاب وضعف الثقة ــ لا تعالجها فئة بمفردها، ولا تكفي في مواجهتها الإجراءات الأمنية وحدها. فالأمن ضرورة، لكن الوقاية المستدامة تتطلب أيضًا عملًا فكريًا وتربويًا وثقافيًا يعزز قبول الآخر، ويحصّن الأجيال من خطاب الكراهية، ويجعل المواطنة مساحة مشتركة للجميع.
إن «المعيّة» دعوة إلى بناء هذا المستقبل معًا: مسيحيين ومسلمين، ومؤسسات دينية ومدنية، وأجيالًا حاضرة ومقبلة. وهي دعوة إلى أن تتحول الشراكة من كلمات تُقال في المناسبات إلى ممارسة في التعليم والإعلام والعمل العام، وإلى أن يكون لكل إنسان دور في حماية النسيج الوطني وتعزيزه.
في عمّان، وبين ألم الفقد والتمسك بالأمل، وبالرغم من تنظيم المؤتمر قبل أشهر من مأساة كنيسة حمود، بدت «المعيّة» كلمة سحرية لقادم الأيام؛ لا لأنّها تقدم حلًا جاهزًا، بل لأنها تضعنا أمام السؤال الأهم: كيف نصنع مستقبلًا لا ينجو فيه أحد وحده، بل ينهض فيه الجميع معًا؟ وإنني على يقين بأنه ستكون لدينا في المستقبل القريب ورش عمل فكرية مكثفة لصياغة استراتيجية متكاملة، تبحث بشكل خاص وهام وعاجل في كيفية مكافحة بذار التطرف التي قد تسكن بعض العقول والنفوس لدى شبابنا الأردني والعربي. وعلينا واجب كبير في التصدي لها ومعالجة أسبابها، لكي نتعاون معًا، بروح المعيّة، على تنقية المجتمع من هذه الآفة التي، إن عصفت، ألحقت أضرارًا كبيرة وقتلت نفوسًا بريئة...
هيا للعمل بروح «المعيّة» الإنسانية المثمرة...