الحرية والكراهية ومنطق الاستعلاء

تاريخ النشر : الأحد 11:20 1-11-2026
د. زياد الزعبي

القتل جريمة مرعبة لا يقبل بها عاقل. يقول القرآن الكريم: "مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا." وهذا حكم يضع حرمة الحياة الإنسانية في موضعها، من غير أن يجعل قيمة الإنسان متوقفة على دينه أو عرقه أو جنسه. ولذلك ندين كل قاتل، وكل فعل قتل، سواء أوقع في كنيسة أم شارع في فرنسا، أم في مسجد أو قرية في الجزائر؛ لأن الاعتداء على الإنسان هو في جوهره اعتداء على حقه في الحياة.

ونحن نقدس الحرية، حرية الإنسان في كل مكان، ونرفض أن يُستعبد الإنسان أو يُحتقر بسبب دينه أو عرقه أو جنسه أو لونه. فالإنسان حر فيما يعتقد، وفيما يلبس ويأكل، وحر في التعبير عن نفسه ومعتقداته، لكنه ليس حرًا في الاعتداء على الآخرين لأنهم يعتقدون غير ما يعتقد، أو يلبسون غير ما يلبس، أو يأكلون غير ما يأكل. هنا بالضبط تتجاوز الحرية حدودها، وتتحول من حق للإنسان إلى ذريعة للاعتداء على إنسان آخر.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أي منطق يجعل الإنسان، مهما بلغ من التعليم والثقافة، ينسب دينًا يتبعه مئات الملايين من البشر إلى شخص أو مجموعة أشخاص ارتكبوا جريمة باسمه؟ أيمكن أن يمثل قاتل مفرد أمة أو شعوبًا برمتها؟ وهل يمكن أن يتحول فعل فرد، أو جماعة إلى دليل على طبيعة دين كامل أو ثقافة كاملة؟

إن وصف دين كامل بأنه "فاشي" لا يجوز أن يقوم على فعل أفراد أو جماعات تنسب نفسها إليه. فالفاشية، في معناها التاريخي والسياسي، مفهوم ارتبط بأنظمة وحركات سياسية محددة، ولا يصح تحويله إلى وصف شامل لمئات الملايين من البشر بسبب أفعال جماعات متطرفة. إن الخلط بين الدين والجماعات التي تتحدث باسمه، وبين الشعوب والتنظيمات التي تمارس العنف، يفضي إلى نتيجة لا تقل خطورة عن الجريمة نفسها: تحويل الآخر، سواء أكان دينًا أم شعبًا، إلى كتلة واحدة، تلغي الفروق بين الأفراد والجماعات والدولة والدين.

وخطير جدًا أن يتحول هذا الخلط إلى رؤية استعلائية ترى الآخر في حاجة دائمة إلى من يفهمه أو يعرّفه ويصنفه ويحكم عليه. ويتم وصف دينه بأنه يعيش أزمة، وأنه يحتاج إلى إصلاح، وكأن أتباعه جميعًا كتلة واحدة لا تاريخ لها، ولا قدرة على التفكير في ذاتها. هنا لا يعود الأمر نقاشًا فكريًا حول الدين أو نقدًا لبعض تفسيراته وممارساته، وإنما يتحول إلى وضع الآخر في مرتبة أدنى، ثم الحديث باسمه، ورسم ملامحه كما يراها المؤمن بتفوقه.

والتاريخ الأوروبي نفسه يقدم أمثلة على خطورة هذا المنطق حين يتحول الدين أو التفوق الحضاري أو السياسي إلى مبرر لإقصاء الآخر وصمه بالتخلف. فقد ارتبطت الحملات الصليبية في القرون الوسطى، في جانب أساسي من خطابها ومؤسساتها، بدعوة دينية وعسكرية إلى استعادة الأراضي المقدسة، ثم اتخذت أشكالًا متعددة، وتجاوزت الهدف الأول في بعض مراحلها، حتى شملت صراعات داخل العالم المسيحي نفسه. ولا ينبغي، بالطبع، أن يتحول نقد تلك التجربة التاريخية إلى اتهام للمسيحيين أو للأوروبيين جميعًا؛ فكما لا يجوز تحميل دين كامل مسؤولية جريمة ارتكبها أفراد باسمه، لا يجوز تحميل شعوب كاملة مسؤولية أفعال أنظمة وحركات تاريخية محددة.

إن هذه القاعدة نفسها هي التي يجب أن تحكم نظرتنا إلى الاستعمار الأوروبي. ففي مرحلة التوسع الاستعماري، لم يكن الاستعمار الفرنسي في الجزائر مثلًا مرادفًا للمسيحية، كما عرفه الجزائريون، وإنما كان مشروعًا سياسيًا استعماريًا، ارتكبت خلاله القوات الفرنسية الاستعمارية أعمال عنف وقمع وقتل واسعة.

من أكثر الأمثلة دلالة على علاقة الاستعمار بتاريخ دراسة الإنسان أن الرؤية الأنثروبولوجية في المؤسسات العلمية الفرنسية توسعت خلال القرن التاسع عشر بالتزامن مع المد الاستعماري والتوسع الأوروبي. وأنشأت متحف الإنسان الذي ضم جماجم القادة القتلى في الدول المستعمرة. وهذا فعل غريب لا يقلل من عنفه إعادة أربعة وعشرين جمجمة كانت محفوظة في متحف الإنسان الفرنسي إلى الجزائر في عام 2020.

وفي هذه الوقائع يظهر وجه آخر لمنطق الاستعلاء: حين يتحول الإنسان من كائن له كرامته وحقوقه إلى «موضوع» للدراسة والتصنيف، وحين يشعر الأقوى بأن امتلاكه للقوة يمنحه الحق في أن يقرر قيمة الآخرين، وأن يستولي على مواردهم، وأن يتحدث عنهم بوصفهم شعوبًا متخلفة تحتاج إلى من يدير شؤونها. إن أخطر ما في هذا المنطق ليس العنف وحده، وإنما الفكرة التي تسبقه: أن الآخرين ليسوا بشرًا بالقدر نفسه الذي نحن عليه، وأن حقوقهم قابلة للانتقاص لأننا نملك القوة.

وهنا يلتقي الاستعمار مع كل أشكال الفاشية والعنصرية في نقطة أساسية، هي تحويل الاختلاف إلى تصنيف تراتبي، ثم تحويل التراتب إلى حق في السيطرة. ولذلك لا يجوز حصر الفاشية في فرد يقتل، أو في جماعة تمارس العنف، بل ينبغي النظر إلى البنية السياسية والفكرية التي تجعل إلغاء الآخر أو إخضاعه أو حرمانه من إنسانيته أمرًا مشروعًا.

ومن مجانبة الصواب كذلك أن ننظر إلى تجربة سياسية أو تاريخية أوروبية محددة وكأنها وصف ينطبق على أوروبا كلها؛ لأن التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك. لقد عرف العالم أنظمة قمعية وحروبًا واستبدادًا في مناطق وثقافات مختلفة، كما عرف في الوقت نفسه تيارات فكرية وفلسفية وأدبية أوروبية قاومت الاستبداد والعنصرية والاستعمار ودافعت عن الحرية وكرامة الإنسان. ولذلك فإن نقد الاستعلاء لا يكون باستبدال استعلاء باستعلاء، وإنما برفض المبدأ نفسه أينما ظهر.

وفي العالم الإسلامي يجب التمييز بين الدول والمجتمعات من جهة، والجماعات والتنظيمات التي تمارس العنف من جهة أخرى. فلا يصح النظر إلى المجتمعات الإسلامية من خلال أفعال تنظيمات متطرفة، كما لا يصح اختزال الإسلام في أفعال جماعة ترفع شعارات إسلامية. وكثير من الدول ذات الأغلبية المسلمة واجهت عنف جماعات مسلحة ومتطرفة، كما شاركت دول إسلامية عديدة بدرجات مختلفة في الجهود الدولية لمكافحة هذه الجماعات.

إن التمييز الذي نقدمه هنا ليس مجرد فعل لغوي، ولكنه ضرورة أخلاقية ومنطقية. فكما لا يمثل القاتل الفرد دينًا كاملًا، لا تمثل الجماعة المتطرفة شعبًا كاملًا، ولا يمثل النظام السياسي شعبه كله، ولا يمثل فعل دولة معينة دينًا بأكمله.

إن المسألة في النهاية ليست الدفاع عن جماعة في مواجهة جماعة، ولا تبرئة ثقافة وإدانة ثقافة أخرى، وإنما الدفاع عن مبدأ واحد ينبغي أن يكون صالحًا للجميع: الإنسان إنسان قبل أن يكون مسلمًا أو مسيحيًا، عربيًا أو أوروبيًا، أبيض أو أسود، مؤمنًا أو غير مؤمن.

حين يصبح الاختلاف سببًا لاحتقار الإنسان، وحين تتحول الحرية إلى ذريعة للكراهية، وحين يتحول التفوق في القوة إلى حق في السيطرة، يغدو الطريق ممهدًا إلى نزع إنسانية الآخر. وعندها لا يعود السؤال: من نحن ومن هم؟ وإنما يصبح السؤال: هل نستطيع أن ندافع عن إنسانية الإنسان حين يكون هذا الإنسان مختلفًا عنا؟

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }