إن الخلط المتعمد بين الاثنين يوفر الحماية للتطرف، ويريد ترهيب الدولة وتفشيل الدعوات لمكافحة الإرهاب والفكر الظلامي والتكفيري الذي يقف وراءه. وسوف أقدم بعض ردود الفعل على حديث وزير الداخلية نموذجا للخلط وسوء النية.
الوزير انتقد الخطاب التكفيري والتمييزي مثل الدعوات المعروفة لعدم الترحم على المسيحيين وعدم معايدتهم واستخدام تعابير مثل "أهل الذمة" في زمننا وعصرنا هذا، عصر الدولة الوطنية الحديثة التي لا تقسم الشعب إلى فئات حسب الدين أو العرق أو أي انتماء آخر غير المواطنة. هو لم يناقش صواب أو خطأ المصطلح نفسه. ونحن نعرف جميعا أصله ومعناه، وقد استخدم كمرجعية فقهية لتحديد المكانة القانونية لرعايا الدولة غير المسلمين وأهل الكتاب تحديدا في زمن الدولة الإسلامية الأولى التي امتدت فوق أقاليم وشعوب شتى، وقد تقادم في العصور التالية، واختفى في عهد الدولة العثمانية، وحل مكانه نظام" الملل" العثماني. والآن في عصر الدولة الوطنية الحديثة فمن وماذا يخدم استدعاء هذا التعبير؟!
الدولة الأردنية منذ نشوئها يحكمها دستور. والدستور يقول إن دين الدولة الإسلام، ويقول أيضا إن المواطنين أمام القانون سواء بصرف النظر عن الدين أو العرق... الخ، ولا تناقض بين الأمرين. الدولة -كما قال وزير الداخلية- تحمي المواطن بالقانون سواء أكان مسيحيا أو مسلما. المسيحي لا يدفع الجزية كواحد من أهل الذمّة، بل يدفع الضريبة كمواطن وفق ما يحددها القانون.
ثمّة كاتب شنّ هجوما كاسحا على الوزير واتهمه بالتعدي على الدين وعلى أهل الاختصاص الشرعي وتداولت عدة حسابات مقاله، فعدت إلى الحساب الخاص به فوجدت أنه لم يقل أو يكتب كلمة واحدة عن جريمة الكرك التي هزت الأردن وغاب كليا عن الموضوع حتى عاد بالهجوم على وزير الداخلية؟!
نحن لا نعمم، بل نخصص. لقد رأينا إسلاميين يواسون أهالي الضحايا بتأثر بالغ، ويعبرون عن حزنهم وسخطهم وغضبهم الصادق على الجريمة النكراء. ونتوقع أن يكونوا شركاء فاعلين في تعرية الفئة الضالة التي تشحن التشدد والتطرف وتغذي بالوقود الذهني والنفسي الكراهية وميول العنف والإجرام وتوقظ الخلايا النائمة والذئاب المنفردة. ونتوقع أن يكونوا طرفا في ردع الأصوات التي تمثل خط الدفاع الثاني عن التطرف بالخلط المتعمد بين الهجوم على التطرف والهجوم على الدين، بين مهاجمة خطبة تروج الكراهية في مسجد وبين مهاجمة المساجد ودور القرآن والمدارس والمناهج هكذا بالجملة.
ليس الدين والتدين هو الموضوع، بل الداعشية المجرمة بحق الوطن والدين. وقد استنفرت العملية الإجرامية الحمية الوطنية عند الأردنيين، وطرحت على جدول أعمال الدولة وكل الفعاليات في المجتمع قضية مكافحة الفكر المتطرف المنتج للعنف والجريمة والإرهاب. فنرى خط الدفاع الثاني عن التطرف يخرج لشنّ هجوم معاكس يتهم الدعوات لمواجهة التطرف والتكفير والظلامية بالعداء للدين والمساجد والمناهج ودور القرآن هكذا بالجملة. خطاب ترهيبي بامتياز يستنفر الغيرة الدينية لخلق البلبلة وتكسير المجاذيف، بينما حق الدين على الغيورين حقا على الدين دفع البلاء عنه بحرب لا هوادة فيها على تيارات التطرف والتكفير التي ألحقت أشد الأذى بكل معاني الوسطية والاعتدال التي تميز الدين الحنيف.
لقد رأينا قادة ومسؤولين في حزب الأمة والعديد من رموز التيار الإسلامي يقومون بدورهم الصحيح منذ اللحظة الأولى للجريمة المروعة، ونريد أن نرى استمرارا لهذا الدور في التفاهم والتضامن حول خطّة وطنية جامعة لمكافحة الداعشية والانتباه إلى خط الدفاع الثاني عن التطرف الذي ينبري بعضهم لبنائه بين ظهرانيهم.
لنكن واضحين؛ الإسلام ليس متهما. الإسلام هو دين 98% من المواطنين، وشعبنا محافظ ومتدين بأكثر من 90%، تدين مشبع بالروح الوطنية وبالسماحة والاعتدال بدليل ردّة الفعل الشاملة الساحقة العفوية الأصيلة تجاه الجريمة النكراء. وهذا ما ينبغي البناء عليه والاستثمار فيه.
الإرهاب لا يفرق في الحقيقة بين الناس، فهدفه تدمير المجتمعات وإرهاب الجميع. لقد سبق أن استهدف المجتمع كله في تفجيرات الفنادق، واستهدف الدولة والقوى الأمنية أكثر من مرّة، والآن بعد هزائمه الشاملة استيقظ من جديد ليضرب عبر ما توفر من أدوات في المكان والطريقة المتوفرة. وإذ استهدف هذه المرّة مسيحيين وبأحقر طريقة (مهاجمة مشيعين في كنيسة)، فربما كان الهدف استعراض أقصى بشاعة ممكنة تلحق أقصى أذى بصورة المجتمع، وصورة الأردن وصورة جلالة الملك شخصيا وهو يؤدي الدور العظيم في تعرية التطرف والإرهاب الصهيوني.