الكرك … حيث تختلطُ ذاكرة التاريخ بكرامة الحاضر وتتعانق حجارة الأرض مع نبض أهلها كان حضور جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وباللباس العسكري وبسلاحه الشخصي مشهدًا حمل من الدلالات ما يتجاوز حدود الصورة ليصل إلى عمق الرسالة ويجسّد معنى القيادة حين تقترب من وجع الناس وتشاركهم لحظات الألم لتؤكد أن الأردنيين يجمعهم همٌّ واحد ودمٌ واحد وأن قلب جلالة الملك ينبض معهم وبهم لا سيّما وأنه حمل رمزية الجندي الأول الذي يقف في خندق الوطن حين تشتد المحن وتتعاظم التحديات وكأن المشهد يقول إن الأردن لا يترك أبناءه وحدهم وإن جرح الكرك جرح الجميع وأن أمن الأردنيين وكرامتهم خطٌ أحمر لا تساوم عليه الدولة ولا تتراجع عنه .
إن اكتمال المشهد قد اختُصِر بحكاية الأردن وحكاية الأردنيين جميعًا فدُوّن في تلك الأيدي التي امتدت لإنقاذ الحياة والسخاء في الدم وفي تلك القلوب التي هبّت لمساندة المصابين وتضميد الجريح ومواساة المكلوم لتتجلّى أسمى معاني الإنسانية حين صار الدم لغةً لا تحتاج إلى ترجمة وصار الألم جسرًا يعبر عليه الأردني إلى أخيه وصارت الفزعة الأردنية أبلغ من كل خطابٍ وأصدق من كل شعار لنرى المسلم يهُبّ لنصرة مسيحي والمسيحي يرى في أخيه المسلم شريكًا في الأرض والمصير ويجتمعون في وطنٍ واحد وتحت رايةٍ واحدة وتاريخٍ واحد فما كانت تلك اللحظة لحظةً عابرة في سجل الأيام بل حكاية شعبٍ آمن أن الاختلاف لا يصنع خصومًة وأن التنوع لا يهدم وحدةً وأن دور العبادة مهما اختلفت أبوابها تلتقي في قلب وطنٍ واحدٍ يحميها جميعا ويصون حق أبنائها في الحياة والعبادة والأمان .
إن وجه هذه الجريمة سيلُطم بيد القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية التي ستبقى حصنًا منيعًا ودرعًا يقظًا وسياجًا يحمي الأرض والإنسان فالأردن الذي بنى أمنه على كفاءة رجاله ويقظة مؤسساته لن يسمح للغدر أن يختبئ خلف الظلام ولن يترك دماء الأبرياء رهينة للغموض أو النسيان و إن كشف ملابسات الجريمة وملاحقة المتورطين وتقديمهم إلى العدالة مسؤوليةً وطنية لا تقبل التهاون وواجبًا تفرضه هيبة الدولة وحق الضحايا وأسرهم وستظل العدالة عنوانَ قوةٍ وسبيلًا لحماية المجتمع فالدولة الأردنية الراسخة لا ترتبك أمام الجريمة ولا تنجر إلى الفوضى بل تواجه بالحزم وتحتكم إلى القانون وتحفظ للإنسان كرامته وللوطن أمنه واستقراره .
إن الإرهاب لا يكتفي بإزهاق الأرواح بل يراهن على أن يزرع الخوف في النفوس والشك بين الناس وأن يحوّل اختلاف المعتقد إلى جدارٍ من الكراهية لكن من يراهن على الأردنيين في هذا الميدان لا يعرف معدنهم ولا يقرأ تاريخهم ولا يدرك أن هذا الشعب كلما ضاقت به المِحن اتسعت في قلبه مساحة التكاتف وكلما حاولت يدٌ أن تفرق أبناءه شدوا أيديهم بعضها إلى بعض فالإرهاب لا يدخل مجتمع يرفض خطابه وليس أقسى على دُعاة الفتنة من وطنٍ يرى في مواطنيه شركاء في المصير ويعرفون أن كرامة الوطن من كرامتهم وأن لدمائهم حرمةً واحدةً لا تتجزأ .
إن الأردن عصيٌّ على الانكسار عزيزٌ على الانقسام منيع في وجه كل من يظن أن رصاص الغدر قادر على تغيير هوية وطن و أن جريمةً ومهما بلغت بشاعتها تستطيع أن تمحي تاريخًا من المحبة والتآخي ، سنحزن على الضحايا ونقف إلى جانب ذويهم وننتظر العدالة بثقةٍ وإصرارٍ لكننا لن نسمح للحزن أن يتحول إلى كراهيةٍ ولا للغضب أن يصبح فتنةً ولا للدمعة أن تطفئ نور المحبة بين أبناء الوطن فالأردن ليس مجرد حدود تحرسها الرجال بل عهدًا يجمع القلوب وبيتًا تتسع أبوابه لكل أبنائه ورايةً تظل عاليةً ما دام تحتها من يؤمن أن الوطن أكبر من الطائفية وأبقى من المِحن وأقوى من الإرهاب لتتجلى عظمةُ الأردن حين يُجرح فيلتئم وحين يُستهدف فيتكاتف وحين يدعوه الغدر إلى الفُرقة فيجيبه أبناؤه بالوحدة والوفاء .