سواءًا كان الاعتداء مرتبطًا تنظيميًا بجهات خارجية، أم تبيّن أنه فعل محلي لا يرتبط بتنظيم خارجي، فإن النتيجة التي قد يسعى الإرهاب إلى إنتاجها واحدة: تقديم الأردن أمام العالم باعتباره دولة غير قادرة على حماية مواطنيه المسيحيين وأماكن عبادتهم. وهذه هي الرسالة الأخطر التي ينبغي إحباطها، بالتوازي مع ملاحقة المسؤولين عن الاعتداء وكشف ملابساته أمام الرأي العام وفق ما تسمح به مقتضيات التحقيق.
المسيحيون الأردنيون ليسوا جماعة طارئة على تاريخ هذا البلد، ولا مكوّنًا يمكن عزله عن هويته الوطنية؛ إنهم أصيلون في بناء الدولة، وحاضرون في مؤسساتها وجيشها ومدارسها وجامعاتها وحياتها السياسية والاجتماعية. ولذلك، فإن أي محاولة لإشعارهم بأن أمنهم أقل من أمن غيرهم تمثل اعتداءً على كل القيم الأردنية.
الإرهاب لا يسعى دائمًا إلى تحقيق جميع أهدافه ميدانيًا؛ فقد يكفيه إظهار أي دولة بأنها فقدت إحدى أهم ميزاتها، وهي الاستقرار وضبط الأمن. ومن هنا، فإن المواجهة لا تقتصر على الأمن والتحقيق والعقاب، بل تشمل أيضًا تظهير الحقيقة، والمواجهة الفكرية الجريئة.
جلالة الملك يدرك أن مواجهة الإرهاب لا تكون بمنحه فرصة لتوسيع دائرة الخوف، ولا بالسماح له بجر المجتمع إلى الاستقطاب، بل بتثبيت هيبة الدولة، وحماية وحدة المجتمع، والتأكيد أن الاعتداءات لن تغيّر طبيعة الأردن ولا علاقات أبنائه بعضهم ببعض وقد أكد ذلك من خلال عدة كلمات عميقة الدلالة من الكرك خلال زيارته للمصابين. وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم الموقف الرسمي: حزم أمني لا يتهاون مع الجريمة، وخطاب وطني لا يسمح للمعتدين بأن يفرضوا أجندتهم على المجتمع.
الملك أعلن أيضًا الحرب الفكرية على الإرهاب والتطرف ووضعنا أمام استحقاق كبير، فالإرهاب تسبقه أفكار تبرر الكراهية، وخطابات تنزع الإنسانية عن الآخر، وبيئات تمنح التعصب شرعية أخلاقية أو دينية أو سياسية. لذلك، فإن الحرب الفكرية تتطلب وقفة جادة من جميع مؤسسات الدولة، وخصوصًا المؤسسات المرتبطة بالتنشئة، وفي مقدمتها الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية، إلى جانب المؤسسات الأمنية المختصة التي تتحمل مسؤولية الرصد والوقاية وإنفاذ القانون.
لا يكفي أن نُدين التطرف بعد وقوع الجريمة، ثم نعود إلى تجاهل الظروف التي تسمح له بالتسلل إلى العقول، فالمطلوب مراجعة مستمرة للخطاب العام وتكوين قاعدة بيانات وطنية ضخمة لمتابعة التوجهات الشاذة.
صحيح أن المجتمع الأردني لديه قدرة فريدة على استعادة تماسكه بعد كل أزمة، وهذا جيد بطبيعة الحال، لكن الأهم هو ما بعد ذلك، فالتضامن لا بد أن يتحول إلى إجراءات واضحة وحازمة.