الجريمة الإرهابية التي استهدفت قرية حمود بمحافظة الكرك، وما خلفته من شهداء وجرحى، تستدعي إدانة قاطعة ومراجعة جادة، لكنها تستدعي أيضاً موضوعية في تقييم الأداء الأمني، بعيداً عن الانفعال واستباق نتائج التحقيقات.
وللأردن تجربة طويلة في مواجهة الإرهاب، راكمت خلالها أجهزته الأمنية خبرات وإنجازات مهمة في إحباط التهديدات وملاحقة التنظيمات المتطرفة، وسط بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. ومن الظلم اختزال هذا السجل في حادثة واحدة، دون أن يعني ذلك إعفاء المؤسسات من التقييم والمساءلة.
لكن أحداث الكرك تستدعي قراءة تتجاوز حدود الجريمة ذاتها، إلى ما واجهه الأردن عبر عقود من تهديدات لأمنه واستقراره، وما قد تحمله بعض هذه التهديدات من محاولات للنيل من نسيجه الوطني.
فالتماسك المجتمعي الأردني، بما يستند إليه من روابط تاريخية وقيم مشتركة وإرث راسخ من العيش المشترك، ظل أحد أهم مصادر قوة الدولة. والمطلوب ليس معالجة انقسامات نفترض وجودها، وإنما حماية هذا المكسب الوطني من محاولات استهدافه.
ولا تنحصر المخاطر في الإرهاب والتطرف الديني؛ فالصراعات الإقليمية قد تفتح المجال لاستقطابات سياسية وأيديولوجية، أو محاولات لتوظيف المواقف والولاءات العابرة للحدود لخدمة مصالح قوى خارجية.
والأردن، بحكم موقعه وارتباطه الوثيق بالقضية الفلسطينية، يتأثر حتماً بتداعيات السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما تثيره من مواقف شعبية وسياسية مشروعة. كما يتابع تأثيرات التنافس الإقليمي، بما فيها امتدادات النفوذ الإيراني في العراق ولبنان، والتحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام الأسد وتراجع ذلك النفوذ.
وقد أظهرت تجارب المنطقة كيف يمكن أن تتحول الولاءات الأيديولوجية المرتبطة بالخارج إلى أدوات للاستقطاب والتأثير في القرار الوطني. لكن استحضار هذه التجارب لا يعني افتراض وجود انقسامات مماثلة في الأردن، أو التشكيك في وطنية أصحاب المواقف المختلفة، ولا سيما التضامن المشروع مع الشعب الفلسطيني.
فالتعدد السياسي والفكري حق أصيل، والخطر لا يكمن في اختلاف الآراء، وإنما في محاولات إخضاع الإرادة الوطنية لمصالح خارجية، أو توظيف الاختلاف للتحريض على العنف وتقويض مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، يستحق الأداء الذي أظهرته الحكومة في التعامل مع الأزمة التوقف عنده بإيجابية. فقد عكست متابعة رئيس الوزراء ووزير الداخلية والقيادات الأمنية للحادثة حضوراً واضحاً للسلطة التنفيذية ومؤسساتها.
وأرى في ذلك ممارسة مؤسسية مشجعة تستحق البناء عليها؛ فالدولة القوية تُدار بسلطات دستورية تتحمل مسؤولياتها، لا بتداخل الصلاحيات أو الاجتهادات الفردية، على أن يبقى الحكم النهائي على الأداء مرتبطاً بنتائج التحقيق والمراجعة.
غير أن السؤال الأهم يتجاوز التعامل مع الحادثة: كيف نمنع التطرف قبل تحوله إلى إرهاب، وكيف نحمي التماسك الوطني من محاولات الاستقطاب والتأثير
هنا تكتسب التوجيهات الملكية الأخيرة أهميتها. فقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني، خلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن القومي عقب الجريمة، ضرورة إجراء تقييم أمني شامل، ومراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه ضمن خطة منهجية، بالتنسيق مع المرجعيات الدينية.
وتنسجم هذه التوجيهات مع رؤية ملكية ممتدة ترى أن مواجهة التطرف ليست مسؤولية أمنية وحدها، بل معركة فكرية وثقافية واجتماعية، تجسدت في مبادرات أردنية مهمة، أبرزها رسالة عمّان.
أن مكافحة التطرف تتطلب تكامل جهود التعليم والأوقاف والثقافة والشباب والإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني.
ومن هنا، أعتقد أن الوقت قد حان لتطوير إطار مؤسسي وطني متخصص لتنسيق جهود الوقاية من التطرف وتعزيز التماسك المجتمعي، ضمن استراتيجية واضحة وقابلة للقياس.
ويمكن البناء على مجلس الأمن القومي بوصفه مظلة استراتيجية، دون استحداث مؤسسات متنافسة في الصلاحيات. فالمطلوب آلية متخصصة ذات طابع مدني وفكري وتربوي، تتولى التنسيق والمتابعة والتقييم، مع احتفاظ الأجهزة الأمنية والمؤسسات القائمة باختصاصاتها، ووفق الأطر الدستورية والقانونية.
والأهم أن يبدأ عمل هذه الآلية بدراسة علمية وطنية مستقلة تقيس انتشار الأفكار المتطرفة ومصادرها والعوامل المغذية لها، وتقيّم فاعلية السياسات القائمة، وتبحث المخاطر المحتملة على التماسك الوطني، بما فيها التحريض ومحاولات التأثير الخارجي، مع احترام الحقوق والحريات والتمييز الواضح بين الاختلاف السياسي المشروع والتطرف العنيف.
فلا يمكن إدارة ما لا نقيسه، ولا يكفي الاستدلال على نجاح مكافحة التطرف بعدد الحوادث الإرهابية وحده.
وفي الأردن، حيث يشكل العيش المشترك ركناً أصيلاً من الهوية الوطنية، فإن الاعتداء على دار عبادة هو اعتداء على المجتمع الأردني بأسره، وعلى القيم التي تجمع أبناءه.
إن نجاح الأجهزة الأمنية في ملاحقة الإرهاب لا يعفينا من مسؤولية مواجهة الأفكار التي تنتجه، ولا من حماية التماسك الوطني من محاولات النيل منه، أياً كانت مصادرها.
فقوة الأردن لا تكمن في قدرته على منع كل خطر، فذلك مستحيل، وإنما في كفاءة أجهزته الأمنية، ونضج مؤسساته الدستورية، ومناعة مجتمعه، واستقلال قراره الوطني. والدولة القوية ليست التي لا تواجه الأزمات، بل التي تتعلم منها، وتحول دروسها إلى سياسات تحمي مستقبلها.