رصاصات أصابت قلوب الأردنيين

تاريخ النشر : الأحد 11:24 25-10-2026
أسيل عزيزية

"مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا"

في بلدة صغيرة جنوب الأردن، تمتد سهول الكرك وتتعانق حقول الزيتون مع بيوت الحجر، لم يكن أحد يتوقع أن يبدأ نهار الجمعة بهذا الشكل. كانت كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية الحمود تستعد لاستقبال المعزين، أولئك الذين جاءوا لتقديم واجب العزاء في وفاة أحد أبناء البلدة. كانت الوجوه حزينة بالفعل، والقلوب مثقلة بفقد عزيز، والناس يتوافدون بهدوء، يتبادلون التعازي والكلمات الطيبة، في مشهد يتكرر في كل قرية أردنية، مسلمة ومسيحية على حد سواء، لكن هذا الهدوء سرعان ما تحول إلى رعب، حين اقتحم مسلحون المكان وأطلقوا النار على الحاضرين، فسقط قتلى وجرحى بينهم نساء ومسنون، في جريمة هزت المملكة بأكملها.

لم تكن هذه الرصاصات عابرة. إنها رصاصات أصابت قلوب الأردنيين جميعًا، مسلمين ومسيحيين، لأنها لم تستهدف أجسادًا فقط، بل استهدفت شيئًا أعمق بكثير؛ استهدفت النسيج الذي يربط هذا الشعب بعضه ببعض، واستهدفت تلك الثقة القديمة التي نشأ عليها الأردنيون، بأن جارهم، مهما اختلف دينه، هو أخ لهم، وأن الكنيسة والمسجد في هذا البلد ليسا مجرد مكانين للعبادة، بل هما مكانان للأمان، وجزء من هوية واحدة وذاكرة مشتركة وحياة عاشها الناس جنبًا إلى جنب لأجيال طويلة.

منذ اللحظة الأولى، كان الموقف الرسمي واضحًا وحاسمًا. الملك عبد الله الثاني، الذي كان يتابع تطورات الحادث لحظة بلحظة، خرج بكلمات حملت ثقلًا كبيرًا وقال: «سنواجه العمل الإرهابي الذي استهدف الكرك بأشد العقوبات». ثم أضاف جملة ستبقى في الذاكرة: «من توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا». ولم يتوقف عند هذا الحد، بل أكد أن «جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف، ولن ينفذ بينهما غدر». واختتم بكلمات تحمل عهدًا ومسؤولية: «دم الأردني غالٍ، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذا البلد».

هذه الكلمات لم تكن مجرد تصريح رسمي يُقرأ في نشرات الأخبار، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن إرادة وطنية راسخة، بأن أي محاولة للمس الوحدة الوطنية ستصطدم بجدار من الصلابة لا يمكن اختراقه. واللافت أن الملك لم يكتفِ بالكلام، بل زار بنفسه مصابي الحادث في مستشفى الكرك الحكومي، في خطوة تحمل دلالة عميقة، أن القيادة تقف مع شعبها قلبًا وقالبًا في لحظة الجرح، وأن الدم الأردني ليس مجرد شعار، بل هو مسؤولية يحملها الجميع، من القائد حتى الطفل الرضيع.

وأمام هذا الجرح الذي أصاب القلوب، لم يكن الحداد الرسمي مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان تعبيرًا صادقًا عن حزن وطني شامل. فقد أعلن الأردن الحداد العام في جميع أنحاء المملكة لمدة ثلاثة أيام، تُنكّس خلالها الأعلام على المباني الرسمية والمؤسسات العامة، وتُعدّل البرامج في وسائل الإعلام الرسمية لتعكس روح الفاجعة، في خطوة تحمل دلالة عميقة: أن الدولة بكل مؤسساتها تقف مع أسر الضحايا، وأن دماءهم ليست أرقامًا في نشرات الأخبار، بل جرح نازف في جسد الوطن بأكمله. هذا الحداد لم يكن على أبناء طائفة بعينها، بل على أبناء الأردن جميعًا، مسلمين ومسيحيين، لأن الرصاصات التي أصابت قلوب الأردنيين لم تفرق بين قلب وقلب.

لكن الأثر الأعمق جاء من الآية الكريمة التي تتصدر هذا المقال: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا). هذه الآية ليست مجرد نص ديني يُستشهد به في المناسبات، بل هي جوهر الحقيقة التي تجعل ما جرى في الحمود جريمة ضد الإنسانية بأكملها، وليست ضد طائفة بعينها. فمن يقتل نفسًا واحدة بغير حق فقد قتل الناس جميعًا، ومن يستهدف كنيسة أثناء جنازة، فإنه لا يستهدف المسيحيين فقط، بل يستهدف كل إنسان يحمل في قلبه ذرة من الرحمة. وهو أيضًا قد استهدف المسلمين حينما أصاب نسيج هذا المجتمع، وكل مجتمع يؤمن بأن الدم لا ينقسم، وأن الحياة كرامة لا تُمس.

الحقيقة التي يجب أن تُقال بصراحة: الشعب الأردني بكل أطيافه لا يتهاون مع من يزرع الفتنة، ولا يتسامح مع من يؤذي أي إنسان على أرضه، مسلمًا كان أو مسيحيًا. هذا ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هو سلوك يومي عاشه الناس في القرى والمدن والأحياء. جارك المسيحي ليس غريبًا عنك، وابنك يدرس مع ابنه في المدرسة نفسها وعلى مقاعد الدراسة، وأنتما تتبادلان أطباق الطعام في رمضان والأعياد، وتقفان معًا في الأفراح والأحزان. هذه ليست مثالية، بل هي واقع عاشه الأردنيون جيلًا بعد جيل، ومن يحاول المساس بهذا الواقع، فإنه لا يواجه الدولة فقط، بل يواجه الشعب بأكمله.

إن ما جرى في الكرك يستدعي أكثر من مجرد الإدانة؛ إنه يستدعي وقفة صادقة مع الذات الوطنية، وتجديد الالتزام بتربية الأجيال على قيم المواطنة الحقيقية، لا على التسامح المتعالي؛ فالأخوة لا تحتاج إلى «تسامح»، لأنها علاقة متكافئة. والأردن الذي ظل لعقود واحة أمان في محيط مضطرب، يحتاج اليوم إلى أن يترجم هذا الإرث إلى مؤسسات وسياسات وتربية، تضمن أن يبقى الدم الأردني واحدًا، وأن تبقى الكنائس والمساجد أماكن للعبادة والأمان، لا ساحات للخوف والحساب.

ويمكن القول هنا إن الإرهابيين الذين أطلقوا النار في الحمود لم ينجحوا في تحقيق هدفهم. لقد أرادوا إشعال فتنة، فوجدوا شعبًا موحدًا. أرادوا إخافة المسيحيين، فوجدوا مسلمين يقفون معهم في العزاء قبل أي أحد. أرادوا النيل من الأردن، فوجدوا وطنًا يزداد صلابة كلما حاولوا كسره. تلك الرصاصات أصابت القلوب، نعم، لكنها لم تستطع أن تخترقها أو تفرق بين قلبين، لأن الأردن، رغم الجرح، يبقى وطنًا واحدًا، وشعبًا واحدًا، ودمًا واحدًا لا ينقسم.

رحم الله الشهداء، والله يصبّر قلوبنا.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }